تصميم فني يجمع ماكس فيرتهايمر وكورت كوفكا وولفغانغ كولر وسيغموند فرويد

ما الذي نراه في العمل الفني؟ الجشتالت والتحليل النفسي بين الإدراك واللاوعي

قراءة نقدية في العلاقة بين علم نفس الجشتالت والتحليل النفسي الفرويدي من خلال أعمال إيشر وماغريت ودالي وليوناردو دافنشي

حين نقف أمام عمل فني قد نعتقد أننا ننظر إلى الصورة نفسها التي يراها الآخرون، لكن التجربة تكشف أن المشاهدة ليست عملية محايدة، فالعين تلتقط الأشكال والألوان والعلاقات، ثم ينظم العقل هذه العناصر في صورة ذات معنى، بينما تستدعي الذاكرة والخبرة والرموز احتمالات أخرى للتأويل

من هنا يبرز سؤال المقال هل يتحدد معنى العمل الفني بما نراه أمامنا، أم بالطريقة التي ينظم بها عقلنا ما نراه، أم بما يمكن أن تحمله الصورة من دلالات نفسية تتجاوز ظاهرها؟

للإجابة نحتاج إلى التمييز بين مجالين كثيرًا ما يختلطان في الحديث عن الفن وعلم النفس، وهما علم نفس الجشتالت والتحليل النفسي الفرويدي، فالجشتالت ليست فرعًا من التحليل النفسي ولا نظرية تفسر الرموز اللاواعية، بل هي اتجاه في علم النفس يدرس كيف يدرك الإنسان العلاقات بين الأجزاء وكيف ينظمها في كل بصري، أما التحليل النفسي فيبحث في الدوافع والصراعات والرموز والعمليات اللاواعية، وقد استخدم فرويد بعض هذه المفاهيم في قراءته للفن وحياة الفنانين

تلتقي المدرستان عند اهتمامهما بتجاوز الفهم السطحي للتجربة، لكنهما لا تطرحان السؤال نفسه، فالجشتالت تسأل كيف انتظمت الصورة في إدراكنا، بينما يسأل التحليل النفسي عن المعاني والدوافع التي قد تكمن وراء الصورة أو وراء استجابتنا لها، والربط المنهجي بينهما يبدأ من هذا الاختلاف لا من دمجهما في نظرية واحدة

التحول الثاني لموريتس كورنيليس إيشر
التحول الثاني — موريتس كورنيليس إيشر — 1939 إلى 1940
الاتجاه الفني — الطباعة الفنية والتبليط الهندسي والأنماط البصرية

في عمل التحول الثاني لموريتس كورنيليس إيشر نرى أشكالًا تنتقل تدريجيًا بين الحروف والهندسة والكائنات الحية والمباني، فلا تبقى العين عند عنصر منفرد، بل تنتقل بين الأجزاء وتعيد تنظيمها مع كل مرحلة من مراحل التكوين، وتظهر هنا مبادئ الجشتالت بوضوح، فالتشابه يساعدنا على جمع الأشكال المتقاربة في مجموعات، والاستمرارية توجه العين عبر التحولات، كما تسمح العلاقات بين الشكل والخلفية بأن يصبح الفراغ في لحظة شكلًا مقروءًا في لحظة أخرى

لا تكمن أهمية العمل في أن إيشر يثبت قانونًا نفسيًا واحدًا، بل في أنه يجعل المشاهد يختبر بنفسه كيف يتغير الإدراك عندما تتغير العلاقة بين الأجزاء، فالكل لا يظهر بوصفه مجموعًا حسابيًا لعناصر مستقلة، وإنما بوصفه تنظيمًا بصريًا تتبادل فيه العناصر أدوارها وتكتسب معناها من موقعها داخل البنية العامة، وقد ناقشت دراسات في علم نفس الإدراك هذه المبادئ بما فيها التجميع والتشابه والاستمرارية والإغلاق وعلاقة الشكل بالخلفية

لكن هل يكفي هذا التحليل لتفسير الأثر النفسي للعمل؟ إنه يشرح جانبًا مهمًا من تجربتنا البصرية، لكنه لا يثبت أن العمل يرمز إلى صراع لاواعي محدد، ولا يسمح لنا باستنتاج شخصية الفنان من التكوين وحده، فإذا انتقلنا إلى التأويل النفسي وجب أن نوضح أننا نطرح احتمالًا يحتاج إلى قرائن مستقلة لا نتيجة يفرضها مبدأ من مبادئ الجشتالت

الحالة الإنسانية لرينيه ماغريت
الحالة الإنسانية — رينيه ماغريت — 1933
المدرسة الفنية — السريالية

في لوحة الحالة الإنسانية لرينيه ماغريت تقف لوحة على حامل أمام نافذة، ويبدو المشهد المرسوم على اللوحة امتدادًا للمنظر الطبيعي الذي تحجبه، فنجد أنفسنا أمام تداخل بين الصورة وما يفترض أنها تمثله، ويمكن قراءة هذا التكوين من خلال علاقة الشكل بالخلفية، وحدود الإطار، وكيف يقرر الإدراك ما الذي ينتمي إلى المشهد وما الذي ينتمي إلى الصورة داخل الصورة

تجعلنا اللوحة نراجع ثقتنا في الرؤية، لأننا لا نصل إلى العالم كما هو مباشرة في كل الأحوال، بل نتعامل مع تمثيلات وإطارات وتوقعات تساعدنا على فهمه، ومن منظور الجشتالت تتغير دلالة العناصر بحسب تنظيمها وعلاقاتها، أما من منظور فلسفي أوسع فيمكن أن تفتح اللوحة سؤالًا عن الفرق بين الواقع وتمثيله، لكن لا يصح أن ننسب هذا التأويل الفلسفي إلى الجشتالت وحدها أو أن نعده تشخيصًا نفسيًا للفنان

هنا يظهر التداخل الصحيح بين المدرستين، فتنظيم الإدراك يفسر كيف تتشكل المفارقة البصرية التي نشعر بها، بينما يمكن للتحليل النفسي أو التأويل الرمزي أن يقترح معاني إضافية، شريطة ألا نخلط بين وصف ما يحدث في المشاهدة وبين الادعاء بأننا اكتشفنا دافعًا لاواعيًا بعينه

إصرار الذاكرة لسلفادور دالي
إصرار الذاكرة — سلفادور دالي — 1931
المدرسة الفنية — السريالية

في إصرار الذاكرة لسلفادور دالي تظهر الساعات وهي تذوب فوق الأشياء وفي مشهد يبدو هادئًا على الرغم من غرابته، فالأشياء قابلة للتعرف عليها كل على حدة، لكن اجتماعها في فضاء واحد ينتج عالمًا غير مألوف، ويمكن للجشتالت أن تساعدنا على تحليل الطريقة التي يوازن بها العقل بين التعرف على الأشكال وبين إدراك التناقض في تنظيم المشهد، كما يمكننا ملاحظة أثر التباين بين دقة التفاصيل وغرابة الموقف في توجيه الانتباه

أما ربط الساعات بالذاكرة أو الزمن أو القلق فهو تأويل محتمل تدعمه موضوعات العمل وسياق السريالية، لكنه ليس نتيجة تلقائية لقوانين الجشتالت، ولا يكفي وحده لإثبات معنى نفسي نهائي، فالتأويل الجيد يميز بين ما نراه في اللوحة وما نضيفه من معانٍ، ويعرض تلك المعاني بوصفها قراءات قابلة للنقاش لا حقائق مخفية تم اكتشافها يقينًا

تكشف هذه اللوحة أيضًا عن فرق جوهري بين الإدراك والتفسير، فقد نتفق إلى حد كبير على وجود ساعات رخوة وفضاء صحراوي وأشكال متباينة، لكننا قد نختلف في تفسير دلالتها، فالإدراك يتيح أرضية مشتركة للتحليل، بينما يتأثر التأويل بالمعرفة الثقافية والسياق التاريخي والخبرة الشخصية، ولا يعني ذلك أن جميع التأويلات متساوية، إذ تظل القراءة الأقوى هي التي تقدم قرائن واضحة من العمل ومن سياقه

العذراء والطفل والقديسة آن لليوناردو دافنشي
العذراء والطفل والقديسة آن — ليوناردو دافنشي — نحو 1503 إلى 1519
المدرسة الفنية — عصر النهضة العليا

يمنحنا ليوناردو دافنشي مثالًا تاريخيًا مختلفًا، فقد تناول سيغموند فرويد الفنان في دراسته ليوناردو دافنشي وذكريات طفولته المنشورة عام 1910، وحاول بناء قراءة نفسية لشخصيته وإبداعه بالاستناد إلى ما توفر له من سيرة ذاتية وكتابات وتأويل لذكرى طفولة، كما ربط قراءته بعمل العذراء والطفل والقديسة آن وبالعلاقات بين الشخصيات في التكوين

تختلف هذه المقاربة عن تحليل الجشتالت، لأن فرويد لم يكن يكتفي بوصف كيفية تنظيم الأشكال داخل اللوحة، بل حاول تفسير العمل من خلال حياة الفنان وذكرياته المفترضة ودوافعه النفسية، وهذه خطوة تنقلنا من بنية الصورة إلى فرضيات عن الشخص الذي أنتجها، ولذلك تحتاج إلى حذر أكبر، فكلما ابتعدنا عن العناصر المرئية واتجهنا إلى الحياة الداخلية للفنان زادت الحاجة إلى أدلة تاريخية موثوقة

تظل دراسة فرويد مهمة في تاريخ التحليل النفسي للفن، لكنها ليست حقيقة نهائية عن ليوناردو، وقد ناقش باحثون معاصرون أخطاء في الوقائع والترجمة والافتراضات التي بُنيت عليها أجزاء من قراءته، كما تعرضت بعض أحكامها المرتبطة بالجنس والهوية إلى نقد تاريخي وأخلاقي، ولذلك من الأنسب عرضها بوصفها مثالًا مؤثرًا على تاريخ التأويل النفسي وحدوده، لا بوصفها تشخيصًا يمكن اعتماده دون مراجعة

إذا جمعنا هذه الأمثلة أمكننا اقتراح طريقة نقدية متوازنة تبدأ بوصف العناصر والعلاقات المرئية، ثم تحليل تنظيمها وفق مبادئ الجشتالت مثل التقارب والتشابه والاستمرارية والإغلاق وعلاقة الشكل بالخلفية، ثم وصف الأثر الإدراكي الذي ينتج من هذا التنظيم، وبعد ذلك فقط ننتقل إلى المعاني الرمزية أو الفرضيات النفسية مع توضيح الأدلة وحدود الاستنتاج

بهذه الطريقة لا تصبح الجشتالت مفتاحًا سحريًا لفك أسرار كل لوحة، ولا يصبح التحليل النفسي ترخيصًا لإسقاط أي معنى على العمل، بل يعمل كل منهما في مستواه، فالجشتالت تمنحنا أدوات لفهم كيف تُرى الصورة وكيف تتماسك عناصرها في التجربة البصرية، بينما يتيح التحليل النفسي تاريخيًا سؤالًا مختلفًا عن الرغبات والذكريات والرموز، وهو سؤال ينبغي أن يبقى مفتوحًا للنقد والتحقق

إن العمل الفني لا يسكن في سطح اللوحة وحده ولا في نفسية الفنان وحدها، بل تتكون تجربته من علاقة بين التكوين المرئي والمشاهد والسياق الثقافي والتاريخي، وربما تكون القيمة الأهم لهذا الربط أنه يدعونا إلى أن نرى بدقة قبل أن نفسر، وأن نفسر بحذر قبل أن ندعي امتلاك المعنى

مراجع مختارة للاطلاع

Wagemans, J. et al. 2012. A Century of Gestalt Psychology in Visual Perception I. Perceptual Grouping and Figure Ground Organization. Psychological Bulletin 138(6), 1172–1217. قراءة الدراسة

Freud, Sigmund. 1910. Leonardo da Vinci and a Memory of His Childhood. النص المتاح للقراءة

Gulati, R. and Pauley, D. 2020. Reconsidering Leonardo Da Vinci and a Memory of His Childhood. Journal of the American Psychoanalytic Association 68(3), 359–406. قراءة الدراسة

National Gallery of Art. Metamorphosis II by M C Escher. بيانات العمل الفني

Musée du Louvre. Leonardo da Vinci, Saint Anne, the Virgin Mary, and the Infant Jesus Playing with a Lamb. بيانات العمل الفني

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *