أحجار نراها في الطرق والمباني والأسوار فلا نتوقف كثيرًا عندها
بعضها يحمل في داخلها قصة أطول من عمر المبنى الذي نراها فيه

بازلت الحرات الذي ارتبط بصورة غرب الجزيرة العربية، وبشكل خاص بالمشهد العمراني والتاريخي للمدينة المنورة، حتى أصبح في عام 2026 أول حجر من المملكة العربية السعودية يُعتمد ضمن قائمة أحجار التراث العالمية التابعة للاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية IUGS
وهذا الاعتماد لا ينظر إلى البازلت باعتباره مادة بناء فحسب، وإنما يوثق العلاقة بين الأرض والإنسان
من أين جاء بازلت الحرات
الحرات هي مساحات واسعة من الصخور البركانية تنتشر في غرب الجزيرة العربية
وتُعد الحرات الغربية من أكبر الأقاليم البركانية من نوعها في العالم، وتمتد لمسافة تقارب 3000 كيلومتر
تشكلت فيها تدفقات بركانية بازلتية خلال فترات جيولوجية مختلفة من الزمن الجيولوجي الحديث
وتحيط بالمدينة المنورة مناطق بركانية واسعة، ومن أبرزها حرة رهط، التي تمتد إلى الجنوب من المدينة، بينما ترتبط المنطقة شمالًا بمناطق بركانية أخرى مثل حرة خيبر

تركت هذه الصخور أثرًا واضحًا في طبيعة المكان، فأصبح اللون الأسود الداكن للحجر البركاني جزءًا من المشهد البصري لغرب الجزيرة العربية
عند النظر إلى تاريخ المدينة المنورة العمراني نجد أن الحجر لم يكن مجرد مادة متاحة للبناء فقط
بل أصبح عنصرًا أساسيًا في تكوين المدينة
تشير الدراسات الجيولوجية والتاريخية إلى أن الصخور البركانية المحيطة بالمدينة
ومنها البازلت استُخدمت في المباني و العمران بشكل عام
مع مرور الزمن أصبح استخدام الحجر البركاني جزءًا من شخصية المدينة العمرانية
العمارة التقليدية في المدينة لم تنفصل عن البيئة الطبيعية المحيطة بها

استخدم البازلت في عدد من المنشآت التاريخية
وارتبط بشتى انواع العمران
مسجد الغمامة هو أحد الأمثلة الذي تظهر في بنائه الكتل البازلتية الداكنة
كما يظهر استخدام البازلت في مسجد العنبرية المرتبط بمحطة سكة حديد الحجاز و التي استخدم فيها هذا النوع مطلع القرن العشرين
لماذا أصبح حجرًا تراثيًا عالميًا
اعتماد Harrats Basalt من قبل الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية IUGS عام 2026 جاء بعد توثيق علمي لقيمته الجيولوجية والتاريخية والثقافية
وتقوم فكرة حجر التراث لدى الاتحاد على توثيق الأحجار الطبيعية التي ارتبط استخدامها بالعمارة والمواقع ذات الأهمية الثقافية، مع وجود معلومات علمية موثقة حول خصائصها واستخداماتها وتاريخ استخراجها وتوظيفها
وفي حالة بازلت الحرات، تتداخل عدة مستويات من قيمته
قيمة جيولوجية مرتبطة بتاريخ النشاط البركاني في غرب الجزيرة العربية
وقيمة طبيعية مرتبطة بتكوين واحد من أكثر المشاهد البركانية وضوحًا في المنطقة
وقيمة عمرانية نتيجة استخدام الحجر في البناء
وقيمة تاريخية مرتبطة بالمدن والطرق والمنشآت القديمة
وقيمة ثقافية ترتبط بالإنسان الذي عاش في هذه البيئة واستفاد من مواردها

للبازلت خصائص بصرية واضحة
فهو حجر داكن وثقيل وقوي
وتشير دراسة منشورة في دورية Geoheritage إلى أن البازلت ساهم في إعطاء مدن مثل المدينة المنورة وخيبر طابعًا عمرانيًا داكنًا مميزًا، كما استمر استخدامه في العمارة الحديثة
ربما تكون القيمة الأهم في اعتماد بازلت الحرات أنه يوسع مفهوم الموروث
فالموروث الثقافي لا يبدأ دائمًا من الإنسان
أحيانًا يبدأ من الأرض
ثم يتم استخدام ما تمنحه الأرض من مواد ويعاد تشكيلها في وظائف نفعية
ومع مرور الزمن تصبح المادة الطبيعية جزءًا من ذاكرة المجتمع

اعتماد بازلت الحرات ضمن أحجار التراث لدى IUGS يفتح زاوية جديدة للنظر إلى الموروث السعودي
بل تمتلك المملكة أيضًا موروثًا جيولوجيًا
يقرأ من خلاله تاريخ المكان والإنسان والعمران
المراجع
- الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية IUGS — Harrats Basalt
- Geoheritage — Basalts of the Harrats as Heritage Stone for Saudi Arabia
- وكالة الأنباء السعودية — Ancient Stones Define Madinah’s Enduring Architectural Identity
- وكالة الأنباء السعودية — Al-Ghamamah Mosque
