واجهة معرض فني معاصر وأعمال تشكيلية متنوعة

هل أصبح الفن بحاجة إلى تفسير أكثر من حاجته إلى المشاهدة؟

تأمل في العلاقة بين التجربة البصرية والتفسير النظري في الفن المعاصر ومتى يضيء النص العمل الفني ومتى يحل محله

حين تتقدم الفكرة المكتوبة على التجربة البصرية

ثمة مفارقة تستحق التأمل في مشهد الفن المعاصر
فبينما يُفترض أن يخاطب العمل الفني الإنسان من خلال ما يراه ويشعر به ويتأمله
قد يقف الزائر أمام عمل فني فلا يجد في تكوينه البصري ما يكفي لإثارة اهتمامه أو دفعه إلى التأمل
ثم يقرأ النص المصاحب له
إن وُجد
أو يطّلع على اسم العمل
فيكتشف أن العمل يتناول قضايا فلسفية أو اجتماعية أو سياسية معقدة
وأن وراء عناصره البصرية شبكة من المفاهيم والإحالات النظرية
أو لا يجد شيئًا سوى بعض «الهراء اللغوي» الذي لا معنى له

يبرز هنا سؤال جوهري:

هل ساعد النص المتلقي على اكتشاف أبعاد لم يكن ليراها من قبل
أم أنه منحه المعنى الذي لم يستطع العمل إيصاله إليه؟

ليس المقصود بهذا السؤال التقليل من قيمة الفكر في الفن
ولا المطالبة بعودة الفن إلى أشكاله التقليدية
وإنما محاولة فهم العلاقة بين العمل الفني بوصفه تجربة بصرية
والفكرة بوصفها ما يمنح العمل سياقه ودلالاته

الفن ليس صورة جميلة فحسب
كما أنه ليس فكرة مجردة يكفي أن تُكتب أو تُنتج بلغة فلسفية حتى تصبح عملًا فنيًا

التجربة الفنية تقوم على مستويات متعددة من التلقي
يبدأ بعضها بالإحساس البصري المباشر
ويتطور إلى التأمل والتفسير وربط العناصر المرئية بالمعارف الشخصية

قد يجذبنا عمل فني بسبب لونه أو تكوينه أو إيقاعه أو علاقته بالضوء والظل
قبل أن نعرف اسم الفنان أو المرحلة التاريخية التي ينتمي إليها العمل أو الفكرة التي أراد التعبير عنها

وقد يحدث العكس أيضًا
إذ نواجه عملًا لا نستطيع فهمه
لكننا نمنحه وقتًا أطول لاكتشاف عناصره وعلاقاتها
فتتكون لدينا قراءة قد تختلف عن قراءة الفنان نفسه

في الحالتين
لا تنفصل المعرفة عن التجربة الفنية

فالمعرفة قد توسع إدراكنا وفهمنا للعمل
وقد تكشف لنا عن أبعاده
لكنها ليست بالضرورة شرطًا لحدوث كل استجابة جمالية

يمكن هنا التمييز بين عمل يحتاج إلى معرفة إضافية كي تتضح بعض دلالاته
وعمل لا يمكن الاقتراب من فكرته الأساسية إلا من خلال خطاب تفسيري خارجي طويل وممل في كثير من الأحيان

فالعمل الفني لا يُفترض أن يحسم كل أبعاد فهم المتلقي له
وإلا فقد جزءًا من قدرته على إثارة التأويل
لكن عليه في الوقت نفسه أن يمتلك من البناء ما يجعله قابلًا للاكتشاف والتفاعل

وليس النص المصاحب للعمل الفني أمرًا أرفضه شخصيًا
على الرغم من احتياج أعمال كثيرة إلى معلومات تاريخية أو دينية أو سياسية لفهم سياقاتها

في الفن المفاهيمي
على سبيل المثال
قد تتقدم الفكرة على المهارة اليدوية أو المعالجة الجمالية التقليدية
وقد يكون النص أو الوثيقة أو التعليمات جزءًا أصيلًا من العمل الفني

Piet Mondrian — Composition with Red, Yellow and Blue

لذلك
ليس من المنطقي أن نطالب جميع الأعمال بأن تقدم نفسها بالطريقة نفسها
أو أن نجعل الاستجابة البصرية المباشرة المعيار الوحيد للحكم عليها

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح النص مجرد وسيلة لتعويض غياب العلاقة المفهومة بين الفكرة وتجسيدها الفني

فثمة فرق بين نص يفتح أمامنا أبوابًا جديدة للتأمل
ونص يخبرنا بما ينبغي أن نراه ونشعر به ونستنتجه

في الحالة الأولى
يعمل التفسير بوصفه شريكًا في التجربة
أما في الثانية
فقد يتحول إلى سلطة تفرض على المتلقي قراءة محددة
وتجعله يشعر بأن استجابته الشخصية ناقصة ما لم تتوافق مع الخطاب الذي وضعه الفنان أو القيّم على المعرض

إن قيمة التفسير لا تكمن في قدرته على إغلاق المعنى
بل في قدرته على توسيع آفاقه

هل أصبحت الفكرة أهم من العمل؟

أحد الأسئلة الأكثر حساسية في الفن المعاصر هو ما إذا كانت القيمة الفكرية للفكرة كافية لمنح العمل قيمته الفنية

قد يتناول الفنان قضية شديدة الأهمية
مثل الهوية أو الذاكرة أو البيئة أو السلطة أو التحولات الاجتماعية
لكن أهمية القضية لا تعني تلقائيًا أن كل معالجة فنية لها ستكون ناجحة

فالموضوع المهم قد ينتج عملًا ضعيفًا
كما يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى تجربة فنية عميقة بفضل طريقة بنائها ومعالجتها وتقديمها

إن الحكم على العمل لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال عما يريد الفنان قوله
بل يجب أن يمتد إلى السؤال عن كيفية تحويل هذه الرؤية إلى تجربة فنية

ما الذي أضافه الشكل إلى الفكرة؟ وكيف أسهمت الخامات والألوان والمساحة والضوء والحركة
أو غيرها من الوسائط
في إنتاج المعنى؟ وهل توجد علاقة ضرورية بين الفكرة والصيغة التي اتخذها العمل؟

هذه الأسئلة لا تعيدنا إلى مفهوم ضيق للفن
ولا تستبعد الأعمال القائمة على النص أو الأداء أو المفهوم
وإنما تؤكد أن لكل وسيط منطقه الخاص
وأن نجاح العمل يرتبط بقدرته على بناء علاقة ذات دلالة بين مكوناته

فإذا أمكن استبدال العمل الفني بنص يشرح الفكرة نفسها دون خسارة تُذكر في التجربة أو المعنى
فإن ذلك لا يثبت بالضرورة فشل العمل
لكنه يثير سؤالًا مشروعًا حول الدور الذي أداه الشكل الفني في إنتاج قيمته

من المشكلات التي قد تنتج عن الإفراط في التفسير أن تتحول زيارة المعرض إلى اختبار في المعرفة النظرية
بدلًا من أن تكون فرصة للمشاهدة والاكتشاف والتأمل

Maurizio Cattelan — Comedian

قد يتردد المتلقي في التعبير عن رأيه لأنه لا يمتلك المصطلحات النقدية المطلوبة
أو لأنه يعتقد أن العمل يخفي معنى محددًا لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال النص الرسمي المصاحب له

لكن التجربة الفنية لا تقوم دائمًا على الوصول إلى إجابة واحدة
ولا يشترط أن يكون المتلقي متخصصًا في تاريخ الفن أو الفلسفة كي تتكون لديه استجابة ذات قيمة

قد يلتقط المشاهد تفصيلًا لم ينتبه إليه غيره
أو يربط العمل بتجربة شخصية
أو يشعر بالتوتر أو الهدوء أو الاغتراب دون أن يستطيع تحويل هذه المشاعر فورًا إلى صياغة نظرية

ولا يعني ذلك أن كل تفسير شخصي صحيح بالدرجة نفسها
أو أن النقد المتخصص لا قيمة له
بل يعني أن المتلقي يمتلك حق المشاركة في إنتاج المعنى
وأن دوره لا يقتصر على تلقي تفسير جاهز

من هنا
ينبغي أن تساعد النصوص التفسيرية على بناء الجسور بين العمل والجمهور
لا على إقامة حاجز معرفي يفصل بينهما

ليس مطلوبًا من الفنان أن يشرح كل شيء
كما أن الغموض ليس عيبًا في ذاته

فبعض الأعمال تستمد قوتها من تعدد احتمالاتها
ومن قدرتها على الاحتفاظ بجزء لا يمكن اختزاله في كلمات
وقد يكون الإفراط في الشرح سببًا في إضعاف أثرها بدلًا من تعزيزه

لكن الغموض يختلف عن غياب البناء
وتعدد القراءات يختلف عن غياب أي علاقة يمكن للمتلقي أن يكتشفها داخل العمل

يمكن للفنان أن يقدم تجربة مفتوحة تسمح بتأويلات مختلفة
دون أن يتخلى عن مسؤوليته في بناء عمل يمتلك منطقه الداخلي

كما يمكنه أن يستعين بالنص لتوضيح سياق تاريخي أو مفهوم غير مألوف
دون أن يجعل النص بديلًا عن العناصر التي اختارها للتعبير عن رؤيته

وتزداد أهمية هذا التوازن في المعارض المعاصرة التي تستخدم وسائط متعددة
مثل الفيديو والتركيب الفني والصورة الفوتوغرافية والتجارب التفاعلية
حيث قد تتداخل الفكرة مع الزمن والصوت والمكان وحركة المتلقي

في هذه الحالات
لا يكفي أن نسأل عما تعنيه الفكرة
بل ينبغي أن نسأل أيضًا عما تتيحه لنا التجربة نفسها
وما الذي يجعل حضورنا أمام العمل مختلفًا عن مجرد قراءة وصف له

لا يمكن الفصل التام بين الفن والفكر
ولا بين العمل الفني والخطاب النقدي الذي يحيط به
فالفن جزء من الثقافة
والثقافة شبكة من المعاني والتجارب والتصورات التي تتفاعل فيما بينها

لكن التوازن يقتضي ألا يتحول الخطاب النقدي إلى بديل عن العمل
وألا تصبح المصطلحات النظرية معيارًا يمنح بعض التجارب شرعية فنية مسبقة
بينما تُهمَّش تجارب أخرى لأنها لا تستخدم اللغة الفلسفية نفسها

ومن المفيد هنا أن نفرق بين ثلاثة أدوار للنص المصاحب للعمل الفني:

Fountain — Marcel Duchamp
Fountain — مارسيل دوشامب

الدور الأول هو التوضيح
ويشمل المعلومات التي تساعد المتلقي على فهم السياق أو الوسيط أو الظروف التي نشأ فيها العمل

والدور الثاني هو التوسيع
حين يقدم النص أسئلة أو إحالات تفتح أمام المتلقي احتمالات جديدة للقراءة

أما الدور الثالث فهو التوجيه المغلق
حين يحدد النص مسبقًا ما ينبغي أن يعنيه العمل
ويجعل القراءة المخالفة تبدو وكأنها خطأ في الفهم

ليس كل نص طويل توجيهيًا
وليس كل نص مختصر ناجحًا
لكن المعيار الأهم هو ما إذا كان النص يعزز استقلالية المتلقي أم ينتزع منه حق الاكتشاف

إن المعرض الناجح لا يحتاج إلى أن يترك جمهوره في مواجهة الغموض دون مساعدة
كما لا يحتاج إلى أن يشرح له كل تفصيل حتى لا يترك مجالًا للتأويل

إنه يوفر ما يكفي من المعرفة لبدء الحوار
ثم يترك للعمل الفني مساحة كي يؤدي دوره

ربما لا تكون المشكلة في أن الفن أصبح بحاجة إلى تفسير
بل في الطريقة التي نفهم بها وظيفة التفسير وحدوده

فالفن الذي يخلو من الفكر قد يتحول إلى استعراض شكلي
والفكر الذي لا يجد تجسيدًا فنيًا مقنعًا قد يبقى مجرد خطاب مكتوب
بينما تنشأ التجربة الأكثر ثراءً عندما تتفاعل الفكرة والشكل والخامة والفضاء والمتلقي في بناء معنى لا يمكن اختزاله في عنصر واحد

ليس مطلوبًا من العمل الفني أن يكون مفهومًا بالكامل من النظرة الأولى
وليس مطلوبًا من المتلقي أن يمتلك الإجابة الصحيحة قبل أن يقف أمامه

لكن من حقنا أن نسأل عما إذا كان النص يضيء العمل أم يحل محله
وعما إذا كانت النظرية تساعدنا على الرؤية أم تجعلنا نكتفي بقراءة ما قيل لنا عن الأشياء التي ينبغي أن نراها

فالفن لا يفقد قيمته حين يحتاج إلى تفسير
وإنما تثار المشكلة حين يصبح التفسير هو التجربة الأساسية
ويغدو العمل مجرد دليل مادي على وجود فكرة مكتوبة

وربما يكون السؤال الأجدر بالتأمل ليس ما إذا كان الفن بحاجة إلى تفسير
بل ما إذا كنا لا نزال نمنح أنفسنا الوقت الكافي لمشاهدة العمل قبل أن نبحث عن الكلمات التي تشرح لنا ما نراه

فهل أصبحنا نقرأ الفن أكثر مما نشاهده
أم أن التفسير الجيد هو ما يعيد إلينا القدرة على الرؤية؟

 

 

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *