حبوب السمح الجوفي بعد تجفيفها

السمح الجوفي

السمح الجوفي موروث غذائي ارتبط بمنطقة الجوف، من نبات بري موسمي إلى الصبيب ثم البكيلة وغيرها من الأطعمة الشعبية

السمح الجوفي

في شمال المملكة العربية السعودية، ارتبطت بعض النباتات البرية بحياة الناس ارتباطًا تجاوز كونها نباتات موسمية تنبت بعد المطر، فتحولت إلى غذاء وذاكرة وعادة اجتماعية. ومن أبرز هذه النباتات السمح، الذي ارتبط اسمه في الموروث السعودي بمنطقة الجوف، وبخاصة بالبيئات الصحراوية القريبة من طبرجل وبسيطاء

السمح نبات حولي عصيري ينمو بعد هطول الأمطار، وتظهر أهميته في الجوف بعد موسم الوسم حين تنبت النباتات البرية في الأرض الصحراوية. وتصف مصادر سعودية السمح بأنه من أشهر النباتات البرية التي اشتهرت بها الجوف، وتربطه بصورة خاصة ببسيطاء والمناطق المحيطة بطبرجل. وفي الرواية المحلية لا تبدأ قيمة السمح عند ظهوره أخضر في الأرض، بل عند اكتمال دورة النبات وجفافه واستعداد أهله لجمعه واستخراج حبوبه

استخراج حبوب السمح الجوفي وتجهيزها

كان أهل المنطقة ينتظرون الموسم المناسب ثم يخرجون إلى مواقع السمح لجمعه بعد أن يجف. وتسمى الأجزاء الزهرية أو الثمرية الجافة التي تحمل الحبوب بالكعبر في الاستخدام المحلي. وبعد فصل الكعبر عن بقية أجزاء النبات تبدأ مرحلة استخراج الحبوب، وهي عملية قديمة تعتمد على الماء؛ إذ يوضع الكعبر في وعاء كبير ويُنقع مدة مناسبة حتى تتفتح الأجزاء الحاملة للحبوب، فتخرج الحبوب الصغيرة وتترسب في قاع الماء بينما تطفو الأجزاء الخفيفة إلى السطح

وتسمى الحبوب المستخرجة بالصبيب، وهي صغيرة جدًا حتى شبهها بعض من وصفوا السمح بحبيبات الرمل. وبعد فصل الصبيب عن الماء وتنقيته وتجفيفه تحت الشمس، تأتي مرحلة التحميص ثم الطحن. وهنا يتحول النبات البري الذي جمع من الأرض بعد المطر إلى مادة غذائية يمكن حفظها واستخدامها في عدد من الأطعمة

تحضير البكيلة من السمح والتمر في منطقة الجوف

ومن أشهر ما ارتبط بالسمح في الجوف البكيلة، وهي أكلة تراثية اختيرت طبقًا مناطقيًا لمنطقة الجوف ضمن مبادرة هيئة فنون الطهي لتوثيق الأطباق المناطقية في المملكة. وتتكون البكيلة من السمح المطحون مع تمر حلوة الجوف، ويضاف إليها السمن البلدي أو مكونات أخرى بحسب الطريقة المتوارثة في الأسرة. وبهذا اجتمع في طبق واحد محصولان ارتبطا بالجوف: السمح الذي يأتي من البر بعد المطر، والتمر الذي يأتي من نخيل المنطقة

ولم يكن استخدام السمح محصورًا في البكيلة. فقد عُرف استخدام دقيقه في العصيدة، وفي الخبز، كما دخل في بعض أنواع الحلويات والمأكولات الشعبية. وتذكر المصادر المحلية أيضًا خبز الصفاة والطماج ضمن صور استخدام السمح في الغذاء، وهو ما يوضح أن السمح كان مادة غذائية متعددة الاستخدام وليست مكونًا لطبق واحد فقط

وترتبط طريقة جمع السمح في الذاكرة الشعبية بحياة البادية والعمل الجماعي. فالخروج إلى مواقع النبات، وجمعه، وفصل الكعبر، ثم استخلاص الصبيب وتجفيفه وتحميصه وطحنه، كلها مراحل تتطلب وقتًا ومعرفة تراكمت لدى أهل المنطقة وانتقلت من جيل إلى آخر. ولذلك فإن الحديث عن السمح لا يتعلق بنبات فقط، بل بمنظومة من المعرفة العملية المرتبطة بالمطر والأرض والموسم والغذاء

ومن اللافت أن السمح لا يُذكر في المصادر السعودية الحديثة بوصفه محصولًا زراعيًا تقليديًا مزروعًا على نطاق واسع، بل بوصفه نباتًا بريًا موسميًا يعتمد ظهوره على الظروف المطرية. ولهذا كانت وفرة السمح مرتبطة بالموسم المطري، وكانت معرفة مواقع ظهوره وتوقيت جمعه جزءًا من الخبرة المحلية

ويظهر ارتباط السمح بالجوف بصورة واضحة في المصادر التراثية والصحفية السعودية؛ فبعضها يصفه بأنه نبات تنفرد به منطقة الجوف، وتحدد وجوده بصورة خاصة في بسيطاء جنوب غرب المنطقة، كما تصفه مصادر أخرى بأنه من النباتات التي اشتهرت بها الجوف. وفي الوقت نفسه، فإن الدقة تقتضي التمييز بين النبات نفسه وبين موروثه المحلي؛ فالسمح ليس نباتًا محصورًا في الجوف على المستوى الجغرافي العام

فقد وثقت مصادر التراث الثقافي في الأردن نبات السمح في مناطق من البادية الأردنية الجنوبية والشرقية، ووصفت دورة جمعه واستخراج الصبيب وطحنه واستخدامه في البكيلة أيضًا. كما تذكر مصادر نباتية أن السمح يوجد في نطاقات أخرى من الجزيرة العربية ومناطق مختلفة خارج الجوف. لذلك فإن خصوصية السمح الجوفي لا ينبغي أن تُفهم على أنه نبات لا يوجد في أي مكان آخر، وإنما في علاقته الخاصة بالمكان وأهل الجوف وطريقة جمعه واستخدامه، وبالأخص حضوره في الموروث الغذائي المرتبط بالبكيلة وحلوة الجوف

وهذا التفريق مهم؛ لأن الموروث لا يصنعه وجود المادة الطبيعية وحده، وإنما تصنعه الطريقة التي تعامل بها الناس معها، واللغة التي سموها بها، والممارسات التي أحاطت بجمعها، والأطعمة التي أدخلت فيها، والذكريات التي انتقلت معها بين الأجيال

وفي الجوف بقي السمح حاضرًا في المناسبات والأسواق والمهرجانات والمنتجات المنزلية، وأصبحت البكيلة من أشهر الصور المعاصرة لهذا الحضور. كما أن إقامة فعاليات ومهرجانات مرتبطة بالسمح أسهمت في إعادة تعريف الأجيال الجديدة بهذه النبتة وبطريقة استخراجها واستخدامها

ومن التفاصيل اللافتة في هذا الموروث أن معرفة السمح تبدأ قبل جمعه بوقت طويل؛ فهي معرفة بالمطر ومواعيده، وبالأرض التي يظهر فيها، وبمرحلة نضج النبات، وبالوقت المناسب للحصاد، ثم معرفة دقيقة بعملية استخراج الصبيب وتجفيفه وتحميصه وطحنه. وكل مرحلة من هذه المراحل تحمل جزءًا من الخبرة التي كانت ضرورية لكي يتحول نبات بري موسمي إلى غذاء يمكن الاعتماد عليه

وهكذا أصبح السمح الجوفي واحدًا من الموروثات التي تختصر علاقة الإنسان في شمال الجزيرة العربية ببيئته. نبات يظهر مع المطر، ينتظر حتى يجف، يجمع من البر، يستخلص بالماء، يجفف ويُحمّص ويُطحن، ثم يدخل إلى المائدة في صورة خبز أو عصيدة أو بكيلة. وبين أول المطر وآخر لقمة تمتد حكاية طويلة من المعرفة والممارسة والذاكرة

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *