لوحة إيفان الرهيب وابنه إيفان للفنان إيليا ريبين

النقد الفني.. في أزمة

هل أصبح النقد الفني أحيانًا أسيرًا للغة والمصطلحات على حساب العمل نفسه؟ قراءة في أزمة النقد، والفرق بين استعراض المصطلحات وتحليل القصة والتفاصيل والسياق، مع تطبيق على لوحة إيفان الرهيب وابنه.

عندما تصبح اللغة بديلاً عن قراءة العمل

هل أصبح النقد الفني في بعض ممارساته الحديثة يبحث عن الكلمات التي تبدو عميقة أكثر مما يبحث عن المعنى الذي يصنعه العمل؟

السؤال ليس اعتراضًا على اللغة النقدية، ولا رفضًا للمفاهيم والمصطلحات التي طورتها الدراسات الفنية والفلسفية عبر عقود. فالفن يحتاج إلى لغة قادرة على وصفه وتحليله ومناقشة طبقاته المختلفة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة من وسيلة لفهم العمل إلى غاية مستقلة عنه؛ عندما تصبح الجمل مليئة بالمصطلحات، بينما يستطيع القارئ بعد الانتهاء منها أن يسأل ببساطة:

ولكن ماذا قالت هذه الكلمات عن العمل نفسه؟

هنا يصبح النقد معرضًا للتحول إلى ما يمكن تسميته، بصورة مباشرة، «الهراء اللغوي»: لغة تبدو متخصصة، لكنها لا تقدم للقارئ مفتاحًا حقيقيًا لفهم ما يراه أمامه.

من العمل إلى الكلمات

هناك فرق جوهري بين أن نقول:

إن التكوين يستثمر التوتر بين الكتلة والفراغ، وتعمل العلاقات اللونية على إنتاج حالة من الانزياح الدلالي داخل فضاء بصري متعدد المستويات…

وبين أن نشرح للقارئ أين يوجد هذا التوتر، وكيف صنعه الفنان، ولماذا اختاره، وماذا ينتج عنه في تجربة المشاهدة والمعنى.

في الحالة الأولى، قد تبدو اللغة متخصصة ومثقفة.

أما في الحالة الثانية، فإن اللغة تؤدي وظيفتها الحقيقية: تقودنا إلى العمل.

وهذه نقطة أساسية في التحليل الفني. فالتحليل الشكلي لا يعني إطلاق أوصاف جميلة على اللوحة، وإنما يبدأ بالملاحظة الدقيقة لعناصرها: التكوين، واللون، والخط، والضوء، والفراغ، والمقياس، والملمس، ومواقع الشخصيات، والعلاقات بينها، ثم ينتقل إلى سؤال أكثر أهمية: ما أثر هذه الاختيارات في المعنى؟

ماذا نرى قبل أن نفسر؟

النقد الجيد لا يخشى الوصف.

بل إن الوصف الدقيق هو أحد أبواب التفسير.

قبل أن نقول إن العمل «يفكك مفهوم الهوية» أو «يعيد إنتاج جدلية الجسد والسلطة» علينا أن نسأل:

  • ماذا نرى؟
  • كيف وزعت العناصر؟
  • أين تقع العين أولًا؟
  • ما الذي أخفاه الفنان؟
  • ما الذي جعله في مركز المشهد؟
  • كيف يتحرك الضوء؟
  • هل اللون يهدئ المشهد أم يرفع توتره؟
  • هل هناك علاقة بين وضعية الجسد واتجاه النظر؟
  • هل حجم شخصية ما مقارنة بغيرها مقصود؟
  • هل الفراغ حول الشخصية جزء من المعنى؟

ثم يأتي السؤال الأهم:

لماذا؟

لماذا اختار الفنان هذا التكوين وليس غيره؟ لماذا استخدم هذا اللون؟ لماذا جعل الشخصية تنظر في هذا الاتجاه؟ لماذا وضع هذا العنصر في الخلفية؟

عندما نصل إلى هذه الأسئلة، تبدأ عملية النقد بالفعل.

العمل ليس مجموعة مصطلحات

العمل الفني ليس مادة خامًا نضع فوقها قاموسًا من المصطلحات.

إنه بنية مترابطة.

العنصر البصري له علاقة بالموضوع، والموضوع قد يرتبط بالسياق، والسياق قد يغير فهمنا للرمز، والرمز قد يكتسب معنى مختلفًا تبعًا للزمن والمكان والجمهور والوظيفة.

ولهذا فإن الاقتصار على جانب واحد من العمل يمكن أن ينتج قراءة ناقصة.

فدراسة تاريخ الفن تستخدم مجموعة من المداخل: التحليل البصري، والموضوع أو الأيقونوغرافيا (دراسة الموضوعات والرموز والمعاني التي تمثلها العناصر المصورة في العمل الفني)، والسياق التاريخي والثقافي، والوظيفة، وعلاقة العمل بصانعه وبالجهة التي طلبته أو اقتنته، وغيرها.

ولا يعني ذلك أن هناك تفسيرًا واحدًا إلزاميًا لكل عمل، بل يعني أن التفسير القوي ينبغي أن تكون له أرضية يمكن تتبعها داخل العمل أو خارجه.

حين تصبح القصة غائبة

أحد أكثر ما نخسره عندما نبالغ في تجريد النقد من العمل هو القصة.

وليس المقصود بالقصة بالضرورة قصة سردية مباشرة.

قد تكون قصة تاريخية، أو شخصية، أو صراعًا، أو فكرة، أو موقفًا إنسانيًا، أو تجربة شخصية، أو سياقًا سياسيًا واجتماعيًا.

فاللوحة قد تحمل قصة لا تظهر في الكلمات التي نصف بها ألوانها.

والمهمة النقدية ليست اختراع قصة من خارج العمل، وإنما اكتشاف العلاقة بين القصة والعناصر التي اختارها الفنان للتعبير عنها.

وهنا يصبح النقد أشبه بالتحقيق:

  • ما الذي حدث؟
  • ما الذي نعرفه؟
  • ما الذي نراه؟
  • ما الأدلة الموجودة في العمل؟
  • ما الذي يمكن استنتاجه؟
  • وما الذي يبقى مجرد احتمال؟

هذه الأسئلة أكثر فائدة من جملة براقة لا يمكن اختبارها.

إيفان الرهيب وابنه: المثال الذي يكشف الفرق

يمكن رؤية الفرق بوضوح عند النظر إلى لوحة إيليا ريبين الشهيرة «إيفان الرهيب وابنه إيفان»، الموجودة ضمن مجموعة معرض تريتياكوف في موسكو.

اللوحة تصور اللحظة التي أعقبت إصابة القيصر لابنه إصابة قاتلة، وتظهر الأب وهو يحتضن ابنه محاولًا إنقاذه.

لوحة إيفان الرهيب وابنه إيفان للفنان إيليا ريبين
لوحة إيفان الرهيب
إيليا ريبين — 1885

لكن يمكن قراءة العمل بطريقتين مختلفتين تمامًا.

القراءة السطحية

يمكن أن نكتب عن اللوحة مثلًا:

«يؤسس ريبين فضاءً دراميًا تتقاطع فيه ثنائية السلطة والهشاشة الإنسانية، ضمن بنية بصرية تستثمر التوتر بين اللون والكتلة والحركة، لتعيد صياغة الجسد بوصفه حقلًا دلاليًا تتجاور فيه مفاهيم العنف والندم والمأساة.»

الجملة تبدو نقدية، وقد تبدو للوهلة الأولى عميقة.

لكن ماذا عرفنا جديدًا؟

هل أخبرتنا أين يوجد التوتر؟ هل فسرت لنا لماذا يبدو الأب بهذه الهيئة؟ هل شرحت لنا لماذا يلتصق جسد الابن بجسد أبيه؟ هل فسرت لنا الدم، والعينين، والذراعين، والملابس، والفراغ، واتجاهات الحركة؟ هل ربطت كل ذلك بالقصة التي تصورها اللوحة؟

ربما لا.

وهنا تصبح اللغة، رغم أناقتها، بديلًا عن التحليل.

القراءة التي تعود إلى العمل

لننظر إلى اللوحة مرة أخرى.

نحن لا نرى مجرد شخصين داخل تكوين.

نرى رجلًا كان قبل لحظات صاحب سلطة مطلقة، وقد تحول فجأة إلى أب مذعور.

ونرى الابن في حالة ضعف شديد، بينما يحتضنه الأب بكلتا ذراعيه.

هذه العلاقة بين الجسدين هي مفتاح بصري أساسي.

فاليد التي كانت أداة للعنف أصبحت الآن أداة للاحتضان.

والجسد الذي يمثل السلطة أصبح منكمشًا أمام جسد الابن المحتضر.

والعينان لا تؤديان وظيفة زخرفية؛ إنهما تحملان جزءًا أساسيًا من المأساة.

إنها لحظة انتقال من الفعل إلى الندم، ومن القوة إلى العجز، ومن السلطة إلى الأبوة، ومن السيطرة إلى الخوف من فقدان الإنسان الذي تسبب صاحب السلطة نفسه في فقدانه.

وهنا تبدأ تفاصيل اللوحة في العمل مع القصة.

الدم ليس مجرد لون أحمر؛ إنه الدليل البصري على ما حدث.

والاحتضان ليس مجرد حركة جسدية؛ إنه محاولة متأخرة لإلغاء نتيجة فعل لا يمكن إلغاؤه.

وهنا يصبح النقد قراءة للعلاقة بين الحدث والانفعال والجسد والتكوين، وليس استعراضًا للمفردات.

السياق يغير القراءة

لكن حتى هذه القراءة لا تكتمل إذا عزلنا اللوحة عن سياقها.

توضح المواد المنشورة من معرض تريتياكوف أن ريبين كان مهتمًا بالمصادر التاريخية والشخصيات والأشياء والبيئات المرتبطة بالموضوع، وأنه لم يتعامل معه بوصفه مجرد إعادة تصوير لحدث تاريخي، بل اهتم بالشخصيات ودوافعها والحالات الانفعالية المعقدة المرتبطة بها.

كما تكشف الدراسات الفنية أن اللوحة يمكن قراءتها على مستويات تتجاوز المشهد الفردي، بما في ذلك علاقتها بمسائل العنف والسلطة والذاكرة التاريخية.

وهنا يصبح السياق جزءًا من النقد، لا هامشًا عليه.

فالعمل لا يقول فقط: «رجل يحتضن رجلًا مصابًا».

إنه يقدم مأساة تاريخية تتحول داخل اللوحة إلى مأساة إنسانية.

وهذا ما يجعل العمل قابلًا للقراءة عبر أكثر من مستوى:

التاريخ → الحدث → الشخصيات → العلاقة الإنسانية → التكوين → اللون → الحركة → الانفعال → المعنى.

ليس المطلوب قتل الغموض

قد يعترض البعض بأن الفن ليس معادلة رياضية، وأن العمل الفني يمكن أن يحتمل قراءات متعددة.

وهذا صحيح.

النقد لا ينبغي أن يحول العمل إلى إجابة مدرسية واحدة.

بل إن الأعمال المعقدة قد تحتمل اختلاف الباحثين حول السياقات والقراءات المناسبة لها.

لكن هناك فرق بين:

تعدد التفسيرات

و

غياب الدليل.

ليس كل تفسير ممكنًا لمجرد أنه صيغ بلغة جميلة.

إذا قال الناقد إن اللون أو الحركة أو الفراغ أو الرمز يؤدي وظيفة معينة، فعليه أن يستطيع أن يشير إلى ما الذي في العمل جعله يصل إلى هذا الاستنتاج.

وإذا قدم قراءة تاريخية، فعليه أن يميز بين الحقيقة التاريخية والافتراض والتأويل.

وإذا تحدث عن نية الفنان، فمن الأفضل أن يفرق بين ما نعرفه من المصادر وبين ما نستنتجه من العمل.

بهذا فقط يصبح النقد حوارًا مع العمل، وليس حديثًا منفصلًا عنه.

النقد الذي نحتاجه

ربما لا تكون أزمة النقد الفني في كثرة النظريات والمصطلحات.

الأزمة تبدأ عندما تسبق النظرية العمل.

عندما يدخل الناقد إلى اللوحة وهو يعرف مسبقًا ما يريد أن يقوله، ثم يبحث عن بعض التفاصيل التي يمكن أن يستخدمها لإثبات كلامه.

النقد الأكثر فائدة يبدأ بالعكس:

انظر.

ثم:

صف.

ثم:

حلل.

ثم:

اربط.

ثم:

فسر.

ثم:

اختبر تفسيرك.

هذه ليست دعوة إلى إلغاء النقد النظري أو الفلسفي أو المفاهيمي.

بل هي دعوة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين النظرية والعمل.

فالتحليل الشكلي يظل أداة أساسية، لكنه لا يكفي وحده؛ والسياق التاريخي والثقافي يضيف طبقات جديدة؛ والأيقونوغرافيا تساعد على فهم الموضوع والرموز؛ ودراسة الوظيفة تكشف لماذا صيغ العمل بالطريقة التي صيغ بها.

النقد الحقيقي يستطيع أن يجمع هذه المستويات دون أن يفقد العمل نفسه.

من «الكلام عن الفن» إلى «قراءة الفن»

ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أي نص نقدي بسيطًا جدًا:

بعد أن قرأت هذا النقد، هل أصبحت أرى العمل بشكل مختلف؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد أضاف النقد شيئًا.

أما إذا انتهيت من النص وأعجبتك الكلمات، لكنك عندما تعود إلى اللوحة لا تعرف ما الذي رأيته فيها أكثر مما كنت تعرفه قبل القراءة، فربما كانت المشكلة ليست في اللوحة.

ربما كانت في النقد.

الفن لا يحتاج إلى لغة أقل.

إنه يحتاج إلى لغة أكثر صدقًا مع العمل.

لغة تستطيع أن تكون جميلة، ولكنها لا تستخدم جمالها لإخفاء فراغ المعنى.

لغة تعرف المصطلح، لكنها لا تختبئ خلفه.

لغة تستطيع أن تحكي القصة، وتقرأ التفاصيل، وتفهم السياق، وتطرح الأسئلة، وتعترف بما لا تعرفه.

لأن وظيفة الناقد في النهاية ليست أن يثبت للقارئ أنه يعرف كلمات أكثر.

بل أن يساعده على أن يرى أكثر.

وهنا فقط يصبح النقد إضافة إلى الفن، لا حجابًا بين الإنسان والعمل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *