عمل Unsupervised — Machine Hallucinations — MoMA للفنان رفيق أناضول، عمل فني مولد بالذكاء الاصطناعي

من الفنان إلى الخوارزمية: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الفن؟

الذكاء الاصطناعي والفنون البصرية لم يعودا مجالين منفصلين. فالفنان يستطيع اليوم أن يستخدم الخوارزمية بوصفها أداة من أدوات صناعة العمل، تمامًا كما استخدم الفنانون عبر تاريخ الفن الكاميرا، والطباعة، والفرشاة الكهربائية، والبرامج الرقمية. وفي مستوى آخر، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحلل عددًا كبيرًا من الأعمال الفنية لاكتشاف العلاقات في اللون والتكوين والخط والملمس، ثم يولد صورًا جديدة تستند إلى ما تعلمه من تلك العلاقات.

لكن الفرق المهم هو أن الآلة لا تعمل في فراغ. فالعمل الفني المعاصر بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون نتيجة سلسلة من القرارات البشرية: ما الفكرة؟ ما البيانات أو الأعمال المرجعية؟ ما الذي نريد من النموذج أن يتعلمه؟ أي نتيجة نختار؟ وكيف نعيد تحريرها وتقديمها؟ من هنا يصبح السؤال أكثر دقة من مجرد: «هل صنع الذكاء الاصطناعي هذه الصورة؟»؛ بل: ما الدور الذي لعبه الفنان في توجيه العملية وصناعة المعنى؟

Unsupervised — Machine Hallucinations — MoMA للفنان رفيق أناضول
رفيق أناضول، Unsupervised — Machine Hallucinations — MoMA، 2021–2023. عمل يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعالجة أرشيف متحف الفن الحديث MoMA وتحويله إلى تجربة بصرية مولدة باستمرار. الصورة: Refik Anadol Studio / مصدر الصورة المستخدم في المقال.

أولًا: الذكاء الاصطناعي أداة لصنع العمل الفني

عندما يستخدم الفنان نموذجًا توليديًا لإنشاء صورة، لا يعني ذلك بالضرورة أن النموذج أصبح «الفنان». فالفنان قد يبدأ من تصور بصري محدد، ثم يكتب وصفًا دقيقًا، أو يختار صورًا مرجعية، أو يحدد لوحة لونية، أو يطلب تكوينات متعددة، ثم يقارن النتائج ويستبعد معظمها. وبعد ذلك قد يعيد تركيب أجزاء من أكثر من نتيجة، أو يستخدم الرسم الرقمي والتصوير والمعالجة ثلاثية الأبعاد، أو يطبع الناتج ويعيد تصويره، أو يحوله إلى تركيب فني.

بهذا المعنى يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تنفيذ واستكشاف داخل ممارسة يقودها الإنسان. ويمكن للنموذج أن يفتح احتمالات لم يكن الفنان سيصل إليها بالطريقة التقليدية، لكنه لا يحدد وحده لماذا يجب أن توجد الصورة، وما قصتها، وما علاقتها بالمكان أو الجمهور أو تاريخ الفن.

الفنان هنا هو صاحب الرؤية والاختيار

يمكن تشبيه هذه العملية بالتصوير الفوتوغرافي. الكاميرا تسجل الصورة، لكنها لا تختار وحدها موضوع المصور، ولا لحظة الالتقاط، ولا زاوية الرؤية، ولا معنى الصورة. وبالمثل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد آلاف الاحتمالات، بينما تظل القيمة الفنية في كثير من الحالات مرتبطة بالاختيار والسياق والتحرير والقرار الجمالي.

ثانيًا: عندما يحلل الذكاء الاصطناعي الفن ثم يولد فنًا جديدًا

المسار الثاني أكثر إثارة من مجرد تحويل وصف نصي إلى صورة. هنا تُدخل مجموعة من الأعمال الفنية إلى نظام تعلم آلي، فيتعلم النموذج أنماطًا وخصائص بصرية من البيانات. قد تشمل عملية التحليل عناصر مثل الألوان، توزيع الكتل، الأشكال، الخطوط، التباين، الإيقاع البصري، الملمس، وخصائص التكوين. وبعد التدريب يستطيع النموذج إنتاج صور جديدة تستند إلى العلاقات التي تعلمها.

وهنا تظهر فكرة مهمة: الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى نسخ لوحة بعينها حتى يتعلم منها. يمكنه أن يتعلم مجموعة من السمات المشتركة في آلاف الأعمال، ثم يولد نتيجة جديدة تجمع بين احتمالات متعددة. وهذا هو أحد الفروق بين «استنساخ صورة» وبين «التوليد من نموذج تعلم من مجموعة بيانات».

ليلة النجوم لفنسنت فان غوخ، 1889
فنسنت فان غوخ، ليلة النجوم، 1889. مثال على عمل يمكن تحليل عناصره البصرية مثل الحركة الدائرية للسماء، التباين اللوني، وضربات الفرشاة والإيقاع المتكرر. العمل الأصلي في الملكية العامة، والصورة من Wikimedia Commons.

لو حلل نموذجٌ مجموعة كبيرة من أعمال ما بعد الانطباعية، مثلًا، فقد يتعلم علاقات بين اللون والحركة والملمس. وبعد ذلك يمكن للفنان أن يطلب منه إنشاء مشهد جديد بهذه الخصائص العامة. الناتج لن يكون «لوحة فان غوخ جديدة» بالمعنى الحرفي، وإنما صورة مولدة تستند إلى خصائص بصرية تعلمها النموذج من البيانات التي دُرّب عليها.

من تحليل الأسلوب إلى محاكاته

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر نقاط الذكاء الاصطناعي إثارة للجدل في الفنون البصرية: Style Transfer أو نقل الأسلوب. يمكن للنظام أن يحلل ملامح بصرية في عمل أو مجموعة أعمال، ثم يحاول تطبيق خصائصها على محتوى جديد. وقد يكون ذلك مفيدًا تعليميًا وفنيًا؛ فالفنان يستطيع اختبار كيف تتغير صورة واحدة عندما تتغير لوحة الألوان أو نوع الخط أو طبيعة الملمس أو طريقة بناء الأشكال.

لكن هناك فرقًا أخلاقيًا وفنيًا بين دراسة أسلوب تاريخي أو حركة فنية وبين محاولة تقليد أسلوب فنان معاصر محدد بهدف إنتاج عمل يبدو وكأنه من إنتاجه. كلما اقترب الاستخدام من فنان حيّ وأعمال معاصرة محددة، أصبحت أسئلة الموافقة، ونسب الأسلوب، والحقوق، وتأثير التقنية على عمل الفنان أكثر أهمية.

أعمال فنية حقيقية صنعت بالذكاء الاصطناعي

يمكن رؤية هذه الفكرة بوضوح في أعمال فنانين استخدموا الذكاء الاصطناعي ضمن ممارساتهم الفنية، وليس كزر سحري لإنتاج صورة جاهزة.

رفيق أناضول: عندما تصبح ذاكرة المتحف مادة فنية

في مشروع Unsupervised — Machine Hallucinations — MoMA استخدم رفيق أناضول وفريقه الذكاء الاصطناعي لمعالجة بيانات وأرشيف متحف الفن الحديث في نيويورك. وتذكر صفحة المشروع أن العمل استخدم 138,151 قطعة من البيانات الوصفية من أرشيف MoMA، ودُرّب نموذج StyleGAN2 ADA على مجموعات من أرشيف الأعمال. النتيجة ليست إعادة عرض للوحة واحدة، بل فضاء بصري متغير باستمرار يعيد تركيب العلاقات داخل الأرشيف في صور وأشكال جديدة. مصدر العمل: Refik Anadol وسجل العمل في MoMA.

آنا ريدلر: البيانات نفسها جزء من العمل الفني

Mosaic Virus للفنانة آنا ريدلر
آنا ريدلر، Mosaic Virus، 2018. عمل مولد بالذكاء الاصطناعي باستخدام آلاف الصور الفوتوغرافية لزهور التوليب التقطتها الفنانة بنفسها. الصورة: NVIDIA AI Art Gallery / Anna Ridler.

في Mosaic Virus استخدمت آنا ريدلر صورًا كثيرة لزهور التوليب أنشأتها ضمن مشروع Myriad (Tulips) لتكوين مجموعة بيانات خاصة بها. ثم استُخدمت هذه البيانات لتدريب نموذج يولد صورًا متغيرة للتوليب. هنا لا يكون الفنان مجرد مستخدم للآلة؛ بل يشارك في بناء المادة التي ستتعلم منها الآلة. وتوضح ريدلر أن بناء مجموعة البيانات كان جزءًا من العمل نفسه، بما يكشف مقدار العمل البشري المختبئ عادة خلف أنظمة التعلم الآلي. مصدر العمل: Anna Ridler.

Obvious: من تاريخ البورتريه إلى Edmond de Belamy

Portrait of Edmond de Belamy من مجموعة La Famille de Belamy للفريق الفني Obvious
Obvious، Portrait of Edmond de Belamy، 2018. عمل من مجموعة La Famille de Belamy مولد باستخدام GAN. الصورة: Obvious / مصدر الصورة المستخدم في المقال.

اعتمدت مجموعة Obvious في مشروع La Famille de Belamy على شبكة GAN وتدريبها على مجموعة من 15,000 صورة لبورتريهات مرسومة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. أنتج النموذج صورًا جديدة تستند إلى ما تعلمه من هذه المجموعة. وفي عام 2018 أصبح Portrait of Edmond de Belamy أول عمل مولد بالذكاء الاصطناعي يُعرض في مزاد رئيسي، وبيع في Christie’s مقابل 432,500 دولار. صفحة العمل لدى Obvious وشرح Christie’s للعمل وطريقة إنتاجه.

هل الناتج الجديد «نسخة» من الأعمال التي تعلم منها؟

ليس بالضرورة. يمكن تخيل العملية على ثلاث درجات: تحليل، ثم تعلم، ثم توليد. في مرحلة التحليل يبحث النظام عن الأنماط والخصائص. وفي مرحلة التعلم يبني تمثيلات رياضية لهذه العلاقات. وفي مرحلة التوليد ينتج احتمالات جديدة. لكن هذا لا يلغي وجود مشكلة حقوقية أو أخلاقية؛ فالسؤال المهم هو: ما الأعمال التي دخلت في البيانات؟ وهل كان استخدامها مشروعًا؟ وهل تم احترام الفنانين؟ وهل يوحي تقديم الناتج بأنه من إنتاج فنان آخر؟

لهذا السبب، لا يكفي أن نقول إن الصورة «جديدة» كي ننهي النقاش. فالعمل الجديد قد يكون مبتكرًا من الناحية الشكلية، لكنه قد يثير إشكالات تتعلق بمصدر البيانات أو محاكاة أسلوب فنان بعينه. كما أن الدراسات الحديثة حول نقل الأسلوب تشير إلى أن النماذج قد تلتقط أجزاء من المظهر الجمالي دون أن تستوعب بالضرورة الصفات العميقة التي تجعل أسلوب الفنان متفردًا.

من هو الفنان إذن؟

في العمل التقليدي، قد تكون الإجابة واضحة: الشخص الذي رسم أو نحت أو صور. أما في العمل القائم على الذكاء الاصطناعي، فقد تتوزع العملية بين الفنان، والبيانات، والخوارزمية، وأداة التوليد، والمحرر الذي يختار النتيجة النهائية. لذلك يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيطًا فنيًا جديدًا، لا مجرد بديل عن الفنان.

وكلما ازداد دور الإنسان وضوحًا في الفكرة، وبناء البيانات، واختيار المراجع، والتوجيه، والانتقاء، والتحرير، وطريقة عرض العمل، أصبح من الأسهل فهم العمل بوصفه ممارسة فنية بشرية تستخدم تقنية جديدة.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي يفتح للفنون البصرية مسارين متداخلين: الأول هو استخدامه أداةً تحت توجيه الفنان لصناعة صورة أو تركيب أو تجربة بصرية جديدة. والثاني هو استخدامه لتحليل كميات كبيرة من الأعمال الفنية، واستخراج العلاقات البصرية منها، ثم توليد أعمال جديدة تستند إلى ما تعلمه النظام.

لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في قدرة الآلة على إنتاج عدد لا نهائي من الصور. القيمة تظهر عندما تتحول هذه القدرة إلى رؤية فنية: فكرة يقودها الإنسان، وبيانات يتم اختيارها بوعي، وخوارزمية تُستخدم كوسيط، ونتيجة يتم نقدها وتحريرها ووضعها في سياقها الصحيح.

ربما لا يكون مستقبل الفن سؤالًا عن «الإنسان أم الآلة»، بل عن نوع الفن الذي يمكن أن ينشأ عندما يعمل الإنسان والآلة داخل العملية الإبداعية نفسها.


ملاحظة حول الصور: الصور المرفقة لأعمال فنية معروفة أُدرجت لأغراض التعريف والتحليل والتوثيق، مع ذكر الفنان ومصدر العمل. لوحة ليلة النجوم لفان غوخ من الأعمال الموجودة في الملكية العامة، بينما صور الأعمال المعاصرة تعود إلى أصحابها ومصادرها المذكورة في التعليقات.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *