زقاق مظلم في حي البلد التاريخي بمدينة جدة

النمنم

النمنم من أشهر الحكايات الخرافية التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية في الحجاز، وخصوصًا في جدة، ثم ظهرت روايات عنها في مناطق أخرى من المملكة. لم يكن النمنم في هذه الحكايات شخصية واحدة ثابتة الملامح، بل تغير وصفه من راوٍ إلى آخر ومن زمن إلى آخر، وبقيت فكرته الأساسية مرتبطة بمخلوق غامض يُخشى ظهوره في الشوارع والأحياء، خصوصًا في الليل

وتشير المصادر التي تناولت الأساطير الحجازية إلى أن النمنم كان من المرويات التي تداولها أهل جدة قديمًا، وأن الحكاية لم تكن مجرد قصة للتسلية، بل تحولت في بعض الفترات إلى وسيلة لتخويف الأطفال ومنعهم من الابتعاد عن المنزل أو الخروج إلى الشوارع في أوقات معينة. وقد أُعيد سرد هذه الحكاية في جلسات ثقافية تناولت الأساطير والخرافات في الحجاز، وذُكر معها أن المرويات الشفهية حول النمنم كانت متعددة ومختلفة في تفاصيلها

وتتفق معظم الروايات المتداولة على أن النمنم كان يُقدَّم على أنه كائن يشبه الإنسان في هيئته العامة، لكنه يختلف عنه بعلامة أو أكثر تكشف حقيقته. وفي بعض الروايات كان له ذيل قصير، وفي روايات أخرى كانت تُنسب إليه هيئة غير مألوفة في القدمين أو الوجه أو طريقة الحركة. كما ظهرت روايات تصفه بأنه طويل القامة أو سريع الحركة، وأنه يظهر بصورة مفاجئة ثم يختفي، ولذلك لم يكن هناك وصف واحد يمكن اعتباره الشكل الأصلي للنمنم

أما وظيفته داخل الحكاية فكانت أكثر ثباتًا من شكله. كان النمنم شخصية مرتبطة بالخوف من المجهول وبالخروج من الأماكن الآمنة، ولهذا كانت العبارة التي تتكرر في بعض المرويات بمعنى أن الطفل إذا خرج إلى الشارع فقد يصادفه النمنم. وتروي مصادر صحفية سعودية أن هذه الحكاية استُخدمت بالفعل كوسيلة لتخويف الأطفال وإبقائهم قريبين من بيوتهم، وهو ما يجعل النمنم جزءًا من ثقافة الحكاية الشعبية أكثر من كونه مجرد شخصية خرافية منفصلة

وفي جدة تحديدًا ارتبطت الحكاية بالليل والأحياء القديمة والشوارع التي كانت أقل إنارة مما هي عليه اليوم. وهذا السياق مهم لفهم انتشارها؛ فالمدينة القديمة كانت تضم أحياء وحارات متقاربة وأزقة وأسواقًا وبيوتًا متجاورة، وكانت الحياة الليلية مختلفة عن الحياة في المدينة الحديثة. وفي مثل هذه البيئة يمكن أن تتحول الحكاية إلى وسيلة لشرح الخوف من الأماكن المظلمة أو البعيدة، ثم تنتقل من جيل إلى جيل وتزداد تفاصيلها مع كل رواية جديدة

ومن الروايات التي نقلها الباحث في التاريخ الاجتماعي منصور العساف أن قصة النمنم بدأت في جدة خلال ستينيات القرن الرابع عشر الهجري تقريبًا، ثم اختفت لفترة قبل أن تظهر من جديد في الرياض بعد عقود. وبحسب الرواية التي نقلتها صحيفة سبق عن العساف، ارتبطت الحكاية في جدة بروايتين شعبيتين مختلفتين؛ إحداهما تتحدث عن رجل ظهر على متن باخرة قادمة إلى جدة ثم انتشرت حوله شائعة بأنه يحمل علامة غريبة، وأخرى ارتبطت بحكاية في مناسبة شعبية ورؤية امرأة ذات قدم غير مألوفة. هذه التفاصيل بقيت في إطار الرواية الشعبية ولم تُقدَّم بوصفها حادثة تاريخية مثبتة

وتكشف هذه الروايات عن طبيعة الحكاية الشعبية نفسها؛ فالقصة لا تنتقل كما حدثت في لحظة واحدة، وإنما يعيد كل راوٍ صياغتها بما يناسب المكان والزمان والجمهور. وقد يختفي عنصر ويظهر عنصر آخر، وقد تتحول علامة صغيرة إلى جزء أساسي من شخصية المخلوق. ولهذا نجد اختلافًا واضحًا في وصف النمنم بين المصادر والروايات الشفهية التي ظهرت في أزمنة مختلفة

كما ظهرت في بعض المصادر القديمة والحديثة محاولات لربط النمنم بحكايات أخرى عن مخلوقات آكلة للبشر أو مخلوقات غريبة ظهرت في الموروث العربي. ونقل منصور العساف في إحدى الروايات التي نشرتها صحيفة سبق إشارة إلى حكاية قديمة ذكر فيها مؤرخون مخلوقًا باسم مختلف، ورأى أن هناك تشابهًا في الفكرة. لكن التشابه بين الحكايات لا يكفي وحده لإثبات أن النمنم هو امتداد مباشر لذلك المخلوق القديم، ولذلك تبقى هذه الروابط ضمن مجال المقارنة بين المرويات لا ضمن الحقائق التاريخية المؤكدة

ومن اللافت أن بعض الروايات المتأخرة أدخلت في قصة النمنم عناصر مرتبطة بالمسافرين والبحر ومواسم الحج وحركة الناس بين جدة ومكة والمدينة. ويظهر ذلك في بعض الكتابات التي تناولت الأسطورة من زاوية اجتماعية، إلا أن هذه الروايات تضمنت أحيانًا صورًا نمطية عن جماعات بشرية من خارج الحجاز. وهذه العناصر ينبغي قراءتها باعتبارها جزءًا من الطريقة التي تشكلت بها الخرافة في الذاكرة الشعبية، لا باعتبارها وصفًا حقيقيًا لأشخاص أو جماعات

ومع مرور الوقت لم تبقَ الحكاية محصورة في جدة. فقد تناولتها صحف سعودية ومواقع إلكترونية وبرامج تلفزيونية ومحتوى منشور على يوتيوب، وأعيد تقديمها في صورة قصة شعبية أو أسطورة من أساطير السعودية. وفي عام 2021 نُشرت تقارير عن عودة حكاية النمنم في الرياض، ونُقل أن انتشارها كان قويًا إلى درجة أثرت في ذهاب بعض الطلاب إلى المدارس بحسب الرواية التي قدمها الباحث منصور العساف. كما ظهرت في السنوات الأخيرة فيديوهات وقصص رقمية أعادت سرد الحكاية لجمهور جديد

وتختلف صورة النمنم في هذه المواد الحديثة عن صورته في الذاكرة القديمة. فبعض المحتوى يقدمه بوصفه وحشًا مرعبًا، بينما يراه آخرون مثالًا على الخرافة الشعبية التي استخدمها الآباء والأمهات لحماية الأطفال من الشوارع والأماكن البعيدة. وفي بعض التغطيات الصحفية السعودية وُصف النمنم صراحة بأنه خرافة أو شائعة شعبية، وهو ما يوضح أن حضوره الحديث أصبح موضوعًا للحديث عن الذاكرة الاجتماعية أكثر من كونه اعتقادًا بوجود مخلوق حقيقي

ولذلك يمكن النظر إلى النمنم باعتباره حكاية تحولت مع الزمن إلى رمز للخوف من المجهول. فالطفل الذي يسمع أن النمنم يسكن مكانًا بعيدًا أو يظهر في وقت معين لا يحتاج إلى رؤية المخلوق حتى يصدق الحكاية؛ يكفي أن تتكرر القصة من أكثر من شخص حتى تصبح جزءًا من عالمه اليومي. ومع تكرارها تتشكل تفاصيل جديدة، ويصبح لكل عائلة أو حي أو جيل نسخته الخاصة من النمنم

وفي الذاكرة الحجازية تحديدًا ارتبطت هذه الحكاية بمدينة جدة ارتباطًا واضحًا في عدد من المصادر الحديثة، بينما تظهر روايات أخرى تتحدث عن مكة أو عن انتقال القصة إلى مدن أخرى. وهذا الانتشار لا يعني بالضرورة أن هناك نسخة أصلية واحدة انتقلت من مكان إلى آخر، فقد تكون الحكاية نفسها قابلة لإعادة التشكيل كلما انتقلت إلى مجتمع جديد، فتأخذ من البيئة الجديدة أسماء وأماكن وأحداثًا تناسبها

وتبقى قيمة النمنم في الموروث الشعبي مرتبطة بما حفظته الحكاية من ذاكرة الناس وطريقة تفكيرهم في الخوف والحماية والمجهول. فالحكايات الشعبية لا تُقاس فقط بمدى صحتها كوقائع، بل بما تكشفه عن المجتمع الذي رواها وتناقلها. والنمنم مثال واضح على حكاية بدأت في الذاكرة الشفهية، ثم خرجت من نطاق الحارة والبيت إلى الصحافة والبرامج التلفزيونية والمحتوى الرقمي، وظلت قادرة على الظهور كلما أعيد السؤال عن أساطير الحجاز وحكايات الزمن القديم

ولهذا فإن النمنم ليس حكاية ذات شكل واحد يمكن اختصاره في وصف محدد. إنه مجموعة من المرويات التي تشترك في شخصية غامضة وظيفتها التخويف والتحذير، وتختلف في تفاصيلها بحسب الراوي والمكان والزمان. وفي جدة ارتبطت الحكاية بذاكرة الأحياء القديمة وبالخروج ليلًا، ثم تجاوزت حدود المدينة لتظهر في روايات أخرى داخل السعودية، قبل أن تعود اليوم في صورة مادة للحديث عن الأساطير والحكايات الشعبية

الوطن – أساطير حجازية في جدة التاريخية
عكاظ – جاكم النمنم
سبق – النمنم وعودته في الرياض
المدينة – النمنم
معجم اللهجات المحكية – النمنم
الرياض – معجم الكائنات الخرافية

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *