
في جنوب المملكة، وخصوصًا في منطقة جازان وما يتصل بها من بيئات جبلية وساحلية، بقيت أسماء كثيرة من عالم الحكايات الشعبية حاضرة في اللغة اليومية حتى بعد أن تراجع حضور القصص التي كانت تفسرها. ومن بين هذه الأسماء «عبلة» و«أم الصبيان»، وهما اسمان يردان في الذاكرة الشعبية الجازانية بوصفهما من الشخصيات المخيفة المرتبطة بعالم الجن والحكايات الغريبة
واللافت أن العبارة لا تظهر دائمًا بوصفها حكاية تُروى من أولها إلى آخرها، بل قد تظهر في كلام الناس كصيغة قصيرة تقال عند الدهشة أو الضيق أو التأزم أو عند مواجهة موقف غير متوقع. وهذا النوع من العبارات مهم جدًا في دراسة الموروث الشعبي؛ لأن الكلمة قد تبقى في الاستعمال اليومي بينما تتراجع القصة التي كانت تقف خلفها، فيصبح الجيل اللاحق يردد العبارة دون أن يعرف بالضرورة أصلها أو تفاصيل الشخصية التي تشير إليها
وتذكر روايات من جازان أن «أم الصبيان» كانت من أكثر الشخصيات الأسطورية إثارة للخوف في المخيلة الشعبية، وأن حضورها لم يكن محصورًا في مكان واحد، بل عُرفت في منطقة جازان عمومًا وجزر فرسان بصورة خاصة، مع احتمال امتداد صور مشابهة لها إلى مناطق أخرى من جنوب الجزيرة العربية. ويربط الشاعر والباحث إبراهيم مفتاح هذه الشخصية بالموروث الأسطوري القديم في المنطقة، ويشير إلى أن ذكر اسمها كان يستدعي لدى بعض الناس رد فعل تلقائيًا يدل على شدة الخوف الذي التصق بها في الذاكرة الجمعية
ولا تبدو «عبلة» بعيدة عن هذا العالم الشعبي، بل تظهر في بعض الروايات المحلية باعتبارها اسمًا آخر أو شخصية مرتبطة بأم الصبيان. وفي أحد المعاجم المحلية للهجة جازان ورد تعريف «عبلة» بأنها زوجة الشيطان وكنيتها أم الصبيان، وهو تعريف شعبي ينبغي التعامل معه بوصفه وصفًا لما تناقلته الذاكرة المحلية، وليس بوصفه حقيقة تاريخية مثبتة
عبلة وأم الصبيان في الذاكرة الشعبية
كلما اقتربنا من جبال فيفا وما حولها تظهر لنا صورة أكثر وضوحًا لكيفية استعمال هذه الأسماء في الكلام الشعبي. فقد ورد في مادة تتناول لهجة فيفاء أن «عبلة» و«أم الصبيان» كانتا تُذكران في عبارات تستحضر اسميهما عند التذمر أو التعبير عن التأزم، ومن العبارات التي نُقلت في هذا السياق «هادن عبلة تهود» و«هادن أم الصبيان». وهذه الشهادة مهمة لأنها تنقل الاسمين من مجرد شخصيات في الحكاية إلى جزء من الاستعمال اللغوي الشعبي
ومن هنا يمكن فهم العبارة التي يعرفها بعض أهل الجنوب بصيغة «عبلة وأم الصبيان» على أنها بقايا من طبقة أقدم من الكلام الشعبي، كانت فيها أسماء الكائنات الأسطورية تدخل في الدعاء أو التعجب أو التعبير عن الضيق والخوف. ومع مرور الزمن قد تفقد العبارة معناها الأصلي وتبقى وظيفتها الانفعالية فقط، فيسمعها الطفل من الكبار ثم يستخدمها لاحقًا في موقف مشابه دون أن تكون لديه صورة كاملة عن الحكاية التي صنعت العبارة في الأصل
وهذا أمر شائع في الموروث الشفهي. فكثير من الأمثال والتعابير الشعبية كانت مرتبطة في بدايتها بحادثة أو قصة أو اعتقاد محدد، ثم تحولت بعد سنوات طويلة إلى تركيب لغوي مستقل. وقد تبقى الأسماء بينما تختفي التفاصيل، أو تتغير التفاصيل بينما يستمر الاسم. ولهذا فإن محاولة البحث عن معنى واحد ونهائي لعبارة «عبلة وأم الصبيان» قد لا تكون دقيقة، لأن الرواية الشفوية بطبيعتها قابلة للتغير من قرية إلى أخرى ومن جيل إلى آخر
أما «أم الصبيان» نفسها، فقد اتخذت في الحكايات الشعبية صورًا متعددة. وفي الروايات التي ارتبطت بجازان وفرسان تظهر باعتبارها كائنًا خرافيًا مخيفًا، وتظهر حولها حكايات عن الأطفال والليل والأماكن المعتمة واللقاءات الغريبة. وقد استفاد إبراهيم مفتاح من هذا الموروث في روايته «أم الصبيان»، التي جعلت من الشخصية الشعبية محورًا لحكايات غرائبية مستمدة من تراث جازان وفرسان. وهذا لا يعني أن أحداث الرواية توثيق تاريخي للحكايات، وإنما يوضح مقدار حضور الشخصية في الذاكرة السردية للمنطقة
ومن المثير أيضًا أن اسم «أم الصبيان» ليس حكرًا على المعنى الجازاني الشعبي. فالاسم موجود في تراث عربي أقدم واستُخدم في بعض المصادر القديمة في سياقات مختلفة، منها وصف مرض أو علة تصيب الأطفال. ولذلك يجب الحذر عند البحث عن أصل الاسم من الخلط بين الاستعمالات القديمة للكلمة وبين الشخصية الأسطورية التي تشكلت في الذاكرة الشعبية لجنوب الجزيرة العربية. تشابه الاسم لا يعني بالضرورة أن جميع الروايات التي حملته ترجع إلى أصل واحد
أما ارتباط «عبلة» بأم الصبيان في جازان، فهو أكثر وضوحًا في بعض الروايات المحلية، حيث يرد الاسمان باعتبارهما متصلين بعالم واحد من الشخصيات المخيفة. وتوجد كذلك مصادر محلية تعد «عبلة» اسمًا أو كنية مرتبطة بأم الصبيان. لكن من الصعب تحديد نقطة تاريخية يمكن القول عندها إن الاسمين أصبحا مترادفين، كما يصعب إثبات أن كل من استخدم العبارة كان يقصد المعنى نفسه
لماذا بقيت العبارة؟
ربما تكمن أهمية «عبلة وأم الصبيان» اليوم في أن العبارة نفسها أصبحت أثرًا لغويًا حيًا من آثار ذلك العالم القديم. فالأسطورة لا تختفي دائمًا عندما يتوقف الناس عن تصديق تفاصيلها؛ أحيانًا تبقى في أسماء الأماكن، وفي الأمثال، وفي الأهازيج، وفي عبارات التعجب والدهشة، وفي الكلمات التي تقال تلقائيًا في لحظات الانفعال
وفي المجتمعات التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الرواية الشفوية، كانت الحكاية تؤدي وظائف متعددة. كانت تفسر المجهول، وتحذر من أماكن معينة، وتربط الليل بالخطر، وتمنح الأطفال تفسيرًا للخوف من المجهول، وتساعد الكبار على صياغة تجاربهم بلغة يفهمها المجتمع. ولهذا فإن شخصية مثل أم الصبيان لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها شخصية مخيفة، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ المخيلة الشعبية
فالجبال والأودية والطرق البعيدة والليل كانت تمنح الحكاية بيئة مناسبة للانتشار. وعندما كان شخص يروي أنه رأى شيئًا غريبًا في مكان منعزل، كانت القصة تدخل في شبكة من القصص السابقة، فتضاف إليها صفات جديدة، ثم تنتقل إلى قرية أخرى وقد تغير اسم الشخصية أو بعض تفاصيلها. ومع مرور الوقت يصبح من الصعب معرفة الرواية الأولى، لكن يبقى أثرها في الذاكرة
وهذا يفسر أيضًا لماذا نجد أكثر من اسم للشخصية الواحدة. ففي جازان وردت إلى جانب أم الصبيان أسماء مثل عبلة وأم الصليف وأم الصكاع في سياقات تتصل بالموروث الشعبي. وقد تكون هذه الأسماء شخصيات مختلفة في بعض الروايات، وقد تكون أسماء متقاربة للشخصية نفسها في روايات أخرى. والرواية الشفوية لا تفرض علينا بالضرورة أن نختار رواية واحدة ونلغي بقية الروايات، بل يمكن توثيقها كما وصلت إلى أصحابها مع بيان اختلافها
ومن هنا تصبح عبارة «عبلة وأم الصبيان» أكثر من مجرد تعبير غريب. إنها نافذة صغيرة على طبقة واسعة من الموروث الجنوبي الذي لم يُكتب منه إلا جزء محدود. فالعبارة تحفظ شيئًا من طريقة التفكير القديمة، ومن اللغة التي كانت تستخدم للتعبير عن الخوف والدهشة والتأزم، ومن العلاقة التي نشأت بين الإنسان والمكان والليل والمجهول
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة كافية تسمح بالجزم بسبب واحد ومحدد جعل عبارة «عبلة وأم الصبيان» تتحول تحديدًا إلى صيغة للدهشة أو التعجب في كل المواضع التي تستخدم فيها. ما يمكن توثيقه بصورة أفضل هو أن الاسمين كانا حاضرين في الموروث الشعبي الجازاني، وأنهما استُخدما في بعض لهجات المنطقة ضمن عبارات تعبر عن التذمر أو التأزم، وأن «أم الصبيان» كانت شخصية مخيفة ذات حضور واضح في الذاكرة الشعبية
ولهذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع العبارة هي ألا نبحث عن تفسير واحد مغلق لها، بل أن نبحث عن الروايات التي حفظتها القرى والأسر وكبار السن، وأن نسجل اختلاف النطق والصياغة والمناسبة التي تقال فيها. فقد تكون هناك فروق دقيقة بين «عبلة وأم الصبيان» وعبارات أخرى قريبة منها، وقد تكشف المقارنة بين روايات أهل فيفا والريث وصبيا وفرسان وغيرها عن طبقات مختلفة من الحكاية
وإذا كانت الأساطير الشعبية في جازان قد بدأت تتراجع مع تغير أنماط الحياة وانتقال المعرفة من الرواية الشفوية إلى وسائل أخرى، فإن العبارات القصيرة قد تكون من آخر ما يبقى منها. قد تختفي الحكاية الطويلة، ويبقى اسم واحد في جملة عابرة، ثم يختفي الاسم نفسه مع الجيل الذي كان يعرف معناه
ولهذا فإن سماع عبارة «عبلة وأم الصبيان» اليوم لا يعني بالضرورة أن قائلها يستحضر صورة كائن أسطوري كما كان يفعل السابقون. قد تكون مجرد عبارة موروثة وصلت إلينا بعد أن انفصلت عن قصتها الأصلية. لكن بقاءها في الكلام الشعبي يمنحها قيمة توثيقية؛ لأنها تخبرنا أن خلف هذه الكلمات عالمًا كاملًا من الحكايات والمخاوف والتصورات التي عاش معها الناس في زمن مختلف
وربما تكون أهم خطوة في توثيق هذا النوع من الموروث هي تسجيله قبل أن يتحول من عبارة متداولة إلى كلمة لا يعرف أحد سبب وجودها. فالسؤال عن «عبلة وأم الصبيان» لا يقودنا فقط إلى أسطورة، بل يقودنا إلى سؤال أكبر عن مقدار ما بقي من الحكايات الشعبية في الذاكرة المحلية، وما الذي يمكن أن نعرفه عنها إذا سألنا من عاشها وسمعها من آبائه وأجداده قبل أن تختفي من الكلام اليومي
