المدوان لعبة شعبية خشبية تدور على الأرض

المدوان

لعبة شعبية قديمة عُرفت في مكة المكرمة وجدة والطائف، وتقوم على تدوير قطعة خشبية مخروطية باستخدام خيط.

المدوان

المدوان من الألعاب الشعبية القديمة التي عُرفت في مدن من المنطقة الغربية في المملكة العربية السعودية، وارتبط اسمها بصورة خاصة بمكة المكرمة وجدة والطائف. وهي من ألعاب الصبيان التي كانت تُمارس في الأحياء والساحات والبرحات، حيث يجتمع الأطفال حول لعبة بسيطة في أدواتها، لكنها تحتاج إلى مهارة في الرمي والتحكم وسرعة الملاحظة.

تُعرف اللعبة أيضًا في بعض المصادر باسم «المزويقة»، كما ترد تسمية «البلبل» في بعض الكتابات. وتقوم فكرتها على جسم خشبي صغير ذي شكل مخروطي، يثبت في طرفه الرفيع مسمار قصير، ويلف حوله خيط بطريقة متتابعة، ثم يُرمى المدوان بحركة تسمح للخيط بالانفلات فيبدأ الجسم بالدوران على رأس المسمار.

مدوان خشبي مع خيط لعبة شعبية

وتذكر المصادر التي تناولت اللعبة أن المدوان كان يصنع من الخشب، ومن المواد التي ورد ذكرها خشب الزيتون وثمر الدوم، كما تذكر بعض المصادر خشب التين. وكان يُلوّن ويُصبغ بألوان مختلفة وتُضاف إليه زخارف بسيطة، ثم يغرس في طرفه المسمار الذي يمنحه نقطة ارتكاز تسمح له بالدوران فوق الأرض.

أما طريقة اللعب فتبدأ بلف الخيط حول المدوان ثم الإمساك به وقذفه بطريقة خاطفة مع ترك الخيط، فيدور على الأرض بحسب قوة الرمية ومهارة اللاعب. وكان اللاعبون يحاولون إظهار قدرتهم على إبقاء المدوان في حالة دوران أطول، والتحكم فيه أثناء حركته، بل تذكر روايات شعبية بعض الحركات التي كان اللاعبون يؤدونها لإظهار مهارتهم، مثل حمل المدوان وهو يدور في اليد أو تمرير الخيط من تحته.

ولم تكن اللعبة دائمًا مجرد محاولة لإبقاء المدوان يدور. فقد عُرفت لها صورة تنافسية تقوم على رسم دائرة على الأرض لتكون بمثابة الحلبة، ثم يرمي لاعبان أو أكثر مدواناتهم داخلها بحيث تدور وتتقابل، وفي إحدى القواعد المتداولة يكون الفائز هو من يبقى مدوانه داخل الدائرة بعد أن يدفع مدوان منافسه إلى خارجها.

هذه الطريقة تكشف أن اللعبة كانت تجمع بين المهارة الفردية والمنافسة المباشرة. فاللاعب يحتاج إلى تقدير قوة الرمية واتجاهها، وإلى متابعة حركة المدوان بعد انطلاقه، ثم التعامل مع حركة مدوان الخصم عندما يدخل الاثنان في المساحة نفسها.

لعبة دوامة خشبية على سطح بني

ارتبط المدوان بالحياة اليومية في الحارات القديمة، ولم يكن يحتاج إلى تجهيزات خاصة أو مكان مخصص. كانت الأرض المتاحة في الحارة أو أمام البيوت أو في الساحات كافية لبدء اللعب، ولهذا كانت اللعبة قابلة للممارسة من أكثر من مجموعة من الأطفال في المكان نفسه، مع اختلاف القواعد والتحديات بحسب الجماعة التي تمارسها.

وتشير كتابات تناولت الألعاب الشعبية في الحجاز إلى أن المدوان كان حاضرًا ضمن مجموعة واسعة من ألعاب الأطفال القديمة التي ارتبطت بالبرحات والحارات. وتظهر في هذه الكتابات أسماء ألعاب أخرى مثل الكبوش والبراجون والاستغماية وغيرها، بما يوضح أن ألعاب الصبيان كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية اليومية، لا نشاطًا منفصلًا عن المجتمع.

كما ظهرت اللعبة في كتابات صحفية ووثائقية خلال السنوات الماضية بوصفها لعبة آخذة في الاندثار أو لعبة قديمة يجري استحضارها من الذاكرة. ففي مادة منشورة عام 2007 عن الألعاب الشعبية في المنطقة الغربية، وُصفت «المِدوان» بأنها من الألعاب المشهورة في مكة المكرمة وجدة والطائف، ونُقلت رواية عن طريقة المنافسة داخل دائرة مرسومة على الأرض. وظهرت اللعبة كذلك في مادة صحفية لاحقة تناولت ألعابًا شعبية اندثرت، مع الإشارة إلى عودة بعض نماذجها في صورة مطورة.

ولم يتوقف حضور الاسم عند الذكريات القديمة. فقد ظهرت في السنوات الأخيرة إشارات إلى نماذج حديثة من المدوان أضيفت إليها الإضاءة أو المؤثرات، وأصبح بعضها يعرض بوصفه قطعة تراثية أو تذكارًا يحاكي اللعبة القديمة. كما استمرت كتابات صحفية حديثة في ذكر المدوان أو المزويقة ضمن الألعاب الشعبية الحجازية التي كانت تُمارس في المناسبات والأوقات الاجتماعية، وهو ما يدل على أن اللعبة ما زالت حاضرة في الذاكرة حتى عندما تقل ممارستها بصورتها التقليدية.

ومن اللافت أن المدوان لم يبق حاضرًا في الروايات الشفوية والكتابات التراثية فقط، بل وصل أيضًا إلى التوثيق التشكيلي. فقد سجل الفنان التشكيلي ضياء عزيز لعبة المدوان في عمل زيتي يعود إلى يوليو 1985 في جدة، بعنوان «المدوان»، وتوضح صفحته الفنية أن مقاس العمل 91 × 122 سم. كما تذكر دراسات وكتابات عن تجربة ضياء عزيز أن الألعاب الشعبية كانت من الموضوعات التي استعادها الفنان من ذاكرة الحجاز، ومن بينها المدوان.

المدوان — عمل للفنان ضياء عزيز
المدوان — الفنان ضياء عزيز

وجود المدوان في هذا العمل مهم من ناحية التوثيق؛ لأن اللعبة التي كانت تتحرك في الحارة وبين الأطفال أصبحت محفوظة أيضًا في صورة فنية تعود إلى فترة زمنية محددة، مع تسجيل اسمها ومكان العمل وتاريخه ومقاسه. وبذلك تظهر اللعبة في مصدر مختلف عن الروايات والكتابات الصحفية، وتصبح صورتها جزءًا من سجل أوسع للذاكرة الشعبية الحجازية.

وتختلف التفاصيل الدقيقة للعبة من رواية إلى أخرى، خصوصًا في نوع الخشب المستخدم، وعدد المشاركين، وطريقة احتساب الفوز، والحركات التي يؤديها اللاعب. لذلك من الأدق عند توثيق المدوان التفريق بين ما يتكرر في أكثر من مصدر وبين التفاصيل التي ترد في رواية محلية أو شهادة فردية. الثابت في معظم المصادر هو الجسم الخشبي المخروطي، والمسمار القصير، والخيط، والدوران، والمنافسة التي تعتمد على مهارة اللاعب في إطلاق المدوان والتحكم فيه.

وتكشف قصة المدوان جانبًا من طبيعة الألعاب الشعبية القديمة: أدوات قليلة، وقواعد يتعلمها الأطفال بالممارسة، ومساحة مفتوحة، ومنافسة مباشرة بين أبناء الحي. ومع تغير شكل الحياة وانتشار الألعاب الحديثة، تراجعت مساحة هذه الألعاب في الحياة اليومية، لكن أسماءها وطريقة لعبها وصورها بقيت في الكتب والصحف والذاكرة الشخصية، ثم عادت أحيانًا في صور حديثة أو تذكارات أو أعمال توثيقية وفنية.

ولهذا يمكن النظر إلى المدوان بوصفه أحد عناصر الموروث الشعبي المرتبط بألعاب الأطفال في الحجاز، وبخاصة في مكة المكرمة وجدة والطائف. ولا تكمن أهميته في اللعبة وحدها، بل في ما تحمله من تفاصيل عن طريقة قضاء الأطفال لوقت الفراغ، وطبيعة الحارة، والمواد المتاحة لصناعة الألعاب، وأشكال المنافسة والتجمع التي كانت جزءًا من الحياة اليومية.

وتبقى الحاجة إلى توثيق المدوان مرتبطة بتسجيل ما يمكن معرفته من أسماء اللعبة المحلية، وأشكالها، وطريقة صناعتها، وقواعدها، والمصطلحات التي كانت تستخدم أثناء اللعب، والأماكن التي اشتهرت بها، وشهادات من عاصروها. فكل تفصيل من هذه التفاصيل يساعد على حفظ صورة أكثر اكتمالًا للعبة قبل أن تتحول من ممارسة حية إلى مجرد اسم في الذاكرة.

المصادر:

  1. تراث شعبي — أرشيف الخطوط السعودية
  2. ألعاب الأطفال القديمة في الحجاز — المدوان
  3. ضياء عزيز.. «فنان الضوء» الخارج من رحم الحجاز — جريدة المدينة

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *