لعبة المزمار الحجازي في جدة التاريخية

لعبة المزمار الحجازي

لعبة المزمار الحجازي

لعبة المزمار الحجازي من الألعاب الشعبية التي ارتبطت بالحياة الاجتماعية في منطقة الحجاز، وخصوصًا في مكة المكرمة وجدة والطائف، ثم عُرفت في مدن ومناطق أخرى من الحجاز. وكانت تظهر في الأعياد والأفراح وحفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية، وتتحول في بعض الأحياء إلى موعد ينتظره الناس، يجتمع فيه المشاركون والمتفرجون حول ساحة اللعب.

لعبة المزمار الحجازي في جدة التاريخية

والمزمار هنا ليس المقصود به آلة النفخ التي تحمل الاسم نفسه، وإنما اسم أطلق على لعبة شعبية لها طريقة أداء معروفة. تقوم اللعبة على صفين من الرجال يقفان متقابلين، بينما يتقدم اثنان من اللاعبين إلى وسط الساحة ويحمل كل واحد منهما عصًا غليظة تعرف في بعض المصادر باسم «الشون». يؤدي اللاعبان حركات متتابعة بالعصي مع الدوران والخطوات والالتفافات، ثم يفسحان المجال لاثنين آخرين، وتستمر اللعبة بهذا التتابع.

يبدأ الإيقاع مع مجموعة من الطبول الشعبية التي تشكل ما يعرف بالعدة، ومن أشهر ما يذكر في وصفها النقرزان والطار والمرد. للنقرزان طريقة مختلفة في الضرب إذ يستخدم فيه عودان صغيران، بينما يضرب الطار والمرد باليدين والأصابع. ومع انتظام الإيقاع تبدأ الصفوف بالتصفيق وترديد الأهازيج، ثم يدخل اللاعبون إلى وسط الساحة واحدًا بعد آخر.

ومن العناصر الأساسية في المزمار «الزومال»، وهو الغناء أو الهتاف الذي يقوده شخص يعرف في بعض الروايات بأنه قائد الصف أو المغني الرئيس. يردد الزومال أبياتًا وأهازيج تتغير بحسب المناسبة، وقد تحمل معاني الترحيب أو الفخر أو الحماس أو المديح أو التعبير عن الفرح. وفي بعض المناسبات كانت الأهازيج تستخدم للترحيب بأبناء الحارات الأخرى، ولذلك أصبح الغناء جزءًا أساسيًا من بناء أجواء اللعبة وليس مجرد خلفية للإيقاع.

وفي الشكل التقليدي للعبة كان الحضور يحيطون بساحة اللعب، وقد توقد النار في وسطها أو بالقرب منها، خصوصًا في اللعب الليلي. وارتبطت النار بوصف المزمار في عدد من المصادر القديمة والحديثة، كما ارتبطت بالحاجة إلى تدفئة طبول الجلد وتجهيزها أثناء استمرار اللعب. ومع الإضاءة الحديثة تغيرت الظروف التي تقام فيها اللعبة، لكن صورة الحلقة والنار بقيت حاضرة في كثير من الأوصاف المتوارثة.

أداء لعبة المزمار الحجازي في مكة

وللمزمار لباس ارتبط به في صورته التقليدية، ومنه الثوب الأبيض والعمامة الحجازية والمصنف الذي يوضع على الكتف، إضافة إلى الحزام المعروف في بعض الأوصاف باسم البقشة. ويختلف شكل اللباس والتفاصيل المصاحبة له بحسب المكان والزمن، إلا أن الثوب والعمامة والحضور الجماعي بقيت من أكثر العناصر وضوحًا في صور المزمار القديمة والحديثة.

ارتبطت اللعبة في الذاكرة الشعبية بالحارة، ولذلك لم تكن مجرد أداء يقدم أمام جمهور بعيد، بل كانت ممارسة يتعلمها الصغار من الكبار ويشاهدونها في الأعياد والمناسبات. وتذكر مصادر عن جدة أن أبناء الأحياء كانوا يتمرسون على حركات المزمار وأهازيجه منذ الصغر، وأن مشاركة الحارات المختلفة كانت جزءًا من طبيعة اللعبة الاجتماعية.

ومع أن المزمار ارتبط تاريخيًا بالحماس والمبارزة بالعصي، فإن صورته المعاصرة أصبحت في الغالب مرتبطة بالاحتفال والمناسبات الشعبية والفعاليات التراثية. وقد بقيت حركات العصا عنصرًا رئيسيًا، لكن وجودها داخل أداء منظم ومحدد القواعد جعلها جزءًا من لعبة جماعية لها إيقاعها وأدوارها وتقاليدها.

أما تاريخ المزمار وأصوله فليس من الموضوعات التي تتفق عليها جميع المصادر. فهناك روايات تربطه بتاريخ قديم في الحجاز، وأخرى حاولت تفسير بعض عناصره بتأثيرات إفريقية أو هندية نتيجة حركة السكان والتجارة والهجرة التي عرفتها مدن الحجاز عبر قرون. وتذكر بعض الكتابات روايات تربطه بالعصر الفاطمي، كما ظهرت مقارنات بينه وبين ألعاب بالعصي معروفة في مناطق عربية أخرى. لكن هذه الروايات لا تعني وجود اتفاق تاريخي نهائي على أصل واحد للعبة، ولذلك من الأدق التمييز بين ما هو متوارث في الذاكرة الشعبية وما تؤيده الأدلة التاريخية الموثقة.

وهناك أيضًا رواية متداولة تربط المزمار بألعاب الأحباش بالحراب في المدينة المنورة، إلا أن مصادر صحفية تناولت هذه الرواية أشارت إلى عدم وجود دليل تاريخي يؤكد أن لعبة المزمار بصورتها المعروفة اليوم امتداد مباشر لذلك الأداء. ولهذا بقي أصل اللعبة موضوعًا مفتوحًا للنقاش، بينما أصبح وجودها الحجازي وانتقالها بين الأجيال أمرًا أوضح في المصادر التي وصفت ممارستها في مكة وجدة وغيرها.

ومع مرور الزمن خرج المزمار من نطاق الحارة والمناسبة المحلية إلى المهرجانات والفعاليات التراثية. فقد ظهر في مهرجانات جدة التاريخية، وفي الفعاليات الوطنية والتراثية، وأصبح يقدم أمام جمهور أوسع من الجمهور الذي كان يعرفه في الأحياء القديمة. كما انتقل أداؤه إلى فرق ومجموعات تهتم بإحياء الموروث الشعبي وتقديمه في المناسبات والبرامج الثقافية.

وتذكر مصادر مختلفة حضور المزمار في مكة المكرمة وجدة والطائف، بينما تشير مصادر أخرى إلى وجوده في المدينة المنورة وينبع والقنفذة ومناطق أخرى من الحجاز. وهذا الانتشار لا يعني أن طريقة اللعب واحدة في كل مكان، فالأهازيج والإيقاعات وطريقة اللباس وأسلوب المشاركة يمكن أن تختلف من مدينة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر.

وفي عام 2016 أدرجت اليونسكو «المزمار، الطبل والرقص بالعصي» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية بوصفه ممارسة تقليدية في منطقة الحجاز في المملكة العربية السعودية. ووصفت اليونسكو الممارسة بأنها تجمع صفوفًا من الرجال يتقابلون ويصفقون ويرددون الأغاني، بينما يؤدي رجلان بالعصي في وسط الساحة على إيقاع الطبول، ثم يتبادلان المواقع مع لاعبين آخرين. وأصبح هذا التسجيل محطة مهمة في تاريخ توثيق المزمار خارج نطاق ممارسته المحلية.

وبعد إدراجه في قائمة اليونسكو أصبح المزمار حاضرًا بصورة أكبر في الحديث عن التراث الثقافي السعودي، وازدادت مشاركته في الفعاليات والمهرجانات التي تقدم عناصر الموروث الشعبي أمام الجمهور. كما ساعد ذلك على توثيق تفاصيل كانت تعتمد في السابق بدرجة كبيرة على الذاكرة الشفوية، مثل أسماء الإيقاعات والأهازيج والملابس وطريقة تنظيم الصفوف وحركات اللاعبين.

وتبقى لعبة المزمار في جوهرها ممارسة جماعية تقوم على الإيقاع والحركة والصوت والتفاعل بين المشاركين. يدخل اللاعب إلى وسط الحلقة، يحمل العصا، يتحرك مع الإيقاع، ثم ينسحب ليأتي غيره، بينما تستمر الصفوف في التصفيق وترديد الزومال. ومن خلال هذا التتابع تصبح اللعبة حدثًا اجتماعيًا يشارك فيه اللاعبون والمغنون والطبالون والجمهور في وقت واحد.

ومن أبرز ما يميز المزمار أن تفاصيله لم تحفظ في كتاب واحد أو في صيغة ثابتة، بل انتقلت عبر الناس والحارات والمناسبات. لذلك نجد اختلافًا في بعض الروايات حول أصوله، وفي بعض الأهازيج، وفي تفاصيل الأداء، بينما تتفق المصادر على ارتباطه الوثيق بالحجاز وعلى حضوره الطويل في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية.

وهكذا ظل المزمار حاضرًا من ساحات الأحياء القديمة إلى المهرجانات والفعاليات الحديثة، محتفظًا بالعناصر التي صنعت صورته المعروفة: صفوف متقابلة، طبول، أهازيج، عصي، وحركة متتابعة في وسط الساحة. ومع انتقاله إلى الأجيال الجديدة لم يعد محصورًا في المناسبة المحلية، بل أصبح من الممارسات التراثية التي يعرفها جمهور أوسع داخل المملكة وخارجها.

المصادر: اليونسكو، سعوديبيديا، وكالة الأنباء السعودية، وصحف ومصادر تراثية سعودية تناولت تاريخ لعبة المزمار وطريقة أدائها وانتشارها في الحجاز.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *