في البيوت الحجازية القديمة لم تكن الجدران والفتحات مجرد عناصر إنشائية تؤدي وظيفة محددة، بل كانت أجزاءً من منظومة بناء تشكلت مع المناخ وطبيعة المواد والحرفة وحاجة السكان إلى الضوء والهواء والخصوصية. ومن بين التفاصيل التي تظهر في بعض نماذج العمارة الحجازية الجص والجبس والنقوش المنفذة عليهما، إلى جانب الفتحات العلوية التي عُرفت في بعض البيوت باسم القمرية
ويظهر استخدام الجص والمواد الجبسية في العمارة التقليدية في منطقة مكة المكرمة ضمن شواهد تاريخية متعددة، كما تشير المصادر السعودية إلى وجود أعمال من الجبس في مسجد البيعة بمنى وقصر شبرا بالطائف وسد ثعلبة التاريخي في وادي ججب. وهذا يدل على أن استخدام المواد الجبسية لم يكن مقتصرًا على نوع واحد من المباني أو على وظيفة زخرفية واحدة
وفي جدة التاريخية ارتبطت أعمال التلييس والتشطيب والزخرفة بمواد البناء المحلية وبالحرفة التي مارسها البناؤون والمعلمون داخل المدينة. وتوضح الدراسات والمصادر المتعلقة بالعمارة الساحلية الحجازية أن المباني اعتمدت على الحجر المرجاني والخشب والجص الأبيض، مع استخدام النوافذ والفتحات الصغيرة والرواشين لمعالجة الضوء والتهوية والخصوصية
أما النقوش الجبسية فكانت تُنفذ على الأسطح والجدران وبعض الأجزاء المعمارية وفق تكوينات هندسية ونباتية متكررة. وتظهر في نماذج جدة التاريخية زخارف بارزة ومحفورة تتداخل فيها الخطوط والأشكال الهندسية والزهور والأطر الزخرفية، وقد تُنفذ حول الفتحات أو بينها أو على مساحات من الجدار
وتتطلب هذه الأعمال دقة في إعداد السطح وتشكيل المادة ثم تنفيذ التصميم والحفر أو الإضافة بحسب الطريقة المتبعة. وتُظهر أعمال النورة والجص في جدة التاريخية أن الحرفة لم تكن مجرد طبقة تشطيب، بل عملية متكاملة تبدأ من إعداد المسطح وتخطيط الشبكة الزخرفية ثم تشكيل التفاصيل وإبرازها على الواجهة
وتتصل القمرية بالفتحات والنوافذ أكثر من اتصالها بسطح الجدار نفسه. وتذكر سعوديبيديا في وصف الدرايش أن الجزء الذي يكمل أعلى الشباك يسمى الهلال أو القمرية، ويكون على شكل نصف دائرة، بينما يمكن أن يدخل الزجاج الملون والأخشاب في تكوين النافذة. ويكشف هذا الوصف أن كلمة القمرية في السياق السعودي لا يلزم أن تشير دائمًا إلى النموذج اليمني الشهير ذي الزجاج الملون والنقوش الكثيفة
وفي بعض البيوت الحجازية كانت الفتحات العلوية تؤدي دورًا عمليًا في إدخال الضوء والمساعدة في حركة الهواء. وتورد مصادر عن البيت الحجازي في جدة أن ارتفاع الأسقف ووجود فتحات علوية ساعدا في التعامل مع الهواء الحار داخل الفراغات، وهو جانب يرتبط بطبيعة جدة الساحلية الحارة والرطبة
وتظهر القمرية في العمارة التقليدية بوصفها جزءًا من تكوين النافذة أو فتحة علوية، وقد تتخذ شكلًا نصف دائري أو مقوسًا أو تتداخل مع زخارف أخرى بحسب المبنى والفترة والحرفة المستخدمة. لذلك فإن التعامل مع كلمة القمرية باعتبارها نموذجًا واحدًا ثابتًا في جميع مدن الحجاز قد يؤدي إلى الخلط بين عناصر معمارية متقاربة في الشكل ومختلفة في الوظيفة
وهنا تظهر علاقة الجبس بالقمرية في بعض النماذج من خلال استخدام الجص أو الجبس في تشكيل الإطار المحيط بالفتحة أو في تنفيذ العناصر الزخرفية التي تكملها. وقد تتجاور هذه الأعمال مع الخشب المنقوش والرواشين والحجر المنقبي، بحيث يصبح لكل مادة دور محدد داخل الواجهة
ومن المهم أيضًا التمييز بين القمرية الحجازية وبين القمرية التي اشتهرت بها العمارة اليمنية. فقد انتشر المصطلح بصورة واسعة في الكتابات والصحافة العربية للدلالة على الفتحات المقوسة التي تعلو النوافذ، واشتهرت في اليمن نماذج مصنوعة من الجص ومطعمة بالزجاج الملون. وتوجد مصادر صحفية وثقافية قديمة وحديثة تتحدث عن القمرية اليمنية باعتبارها عنصرًا بارزًا في العمارة اليمنية، بينما تستخدم مصادر سعودية كلمة القمرية لوصف الجزء العلوي من بعض النوافذ التقليدية
وهذا الانتشار للمصطلح خارج الحجاز مهم عند قراءة المصادر، لأن التشابه في الاسم والشكل لا يعني بالضرورة تطابق العنصر المعماري أو تاريخ ظهوره في كل منطقة. كما أن موقع الحجاز التجاري والديني واتصاله المستمر بطرق الحج والتجارة جعله مجالًا لتبادل المواد والحرف والتقنيات، وهو ما انعكس على العمارة في جدة ومكة والمدينة والطائف ومدن الساحل الغربي
وتوضح الرواشين الحجازية هذا التداخل بصورة أخرى، فقد كانت الأخشاب المستخدمة فيها تأتي من مصادر مختلفة، وكان الحرفيون يطورونها لتناسب المناخ والخصوصية والتهوية. وفي الواجهات القديمة تتجاور الأخشاب مع الحجر والجص والنورة والفتحات الصغيرة، فتتشكل واجهة واحدة من مواد متعددة لكل منها وظيفة ودور في تكوين المبنى
أما الزخارف الجبسية نفسها فتتنوع بحسب الموقع والمبنى والحرفة، ولا يمكن نسب كل نقش هندسي أو نباتي يظهر على جدار قديم إلى مدرسة واحدة أو فترة واحدة من دون توثيق خاص. ولهذا فإن قراءة هذه النقوش تحتاج إلى النظر في المادة وطريقة التنفيذ ومكانها داخل المبنى وشكل العناصر المحيطة بها
وتوجد اليوم أعمال وبرامج تهتم بإحياء الحرف التقليدية المرتبطة بجدة التاريخية، ومنها النقش على الجبس والخشب وأعمال النورة، كما تستمر مشاريع الترميم في توثيق العناصر المعمارية القديمة والمحافظة عليها. ويظهر هذا الاهتمام في البرامج التدريبية والحرفية التي تتناول تقنيات العمارة التقليدية في جدة
وهكذا تكشف نقوش الجبس والقمرية جانبًا من تفاصيل البيت الحجازي لا يظهر دائمًا عند النظر إلى الواجهة من بعيد. فالجبس والجص والنورة ساهمت في تشكيل الأسطح والزخارف، بينما ارتبطت القمرية بالفتحات العلوية والضوء والهواء، وتجاورت هذه العناصر مع الخشب والحجر والرواشين لتكوين عمارة استجابت لظروف المكان واحتياجات سكانه
سعوديبيديا – الدرايش
سعوديبيديا – الآثار في منطقة مكة المكرمة
العمارة السعودية – العمارة الحجازية الساحلية
اليوم – أعمال النورة في جدة التاريخية


