من التشكيلية الى البصرية
من مهارة اليد إلى قوة الفكرة : التحول من الفنون التشكيلية إلى الفنون البصرية
لم يعد الحديث عن الفنون التشكيلية والفنون البصرية حديثًا عن اختلاف بسيط في تسمية الفنون، بل أصبح يعكس تحولًا أوسع في طريقة فهم العمل الفني، ودور الفنان، وطبيعة التجربة التي يريد أن يقدمها للمتلقي
في الفنون التشكيلية ارتبطت قيمة العمل الفني لفترة طويلة بقدرة الفنان على التعامل مع المادة والأداة، وعلى بناء الشكل واللون والكتلة والملمس والفراغ، وتحويل الفكرة إلى عمل محسوس. كانت اليد جزءًا أساسيًا من عملية الإبداع، وكانت المهارة التقنية واحدة من أهم الأدوات التي تمنح الفنان القدرة على التعبير

لكن الفن لم يتوقف عند حدود المهارة، ومع تطور الممارسات الفنية أصبح السؤال أكبر من كيفية صناعة العمل. أصبح السؤال أحيانًا: لماذا نصنع هذا العمل؟ وما الفكرة التي يقترحها؟ وما التجربة التي يريد أن يضع المتلقي داخلها؟ وهل يمكن أن يكون العمل الفني فكرة أو موقفًا أو تجربة أو سؤالًا بقدر ما هو جسم مادي؟

من هنا يمكن فهم الانتقال من الفنون التشكيلية إلى الفنون البصرية على أنه توسع في مجال الفن وليس إلغاءً لما سبقه. فالفنون التشكيلية لم تختف، والرسم والنحت والخزف والطباعة وغيرها ما زالت حاضرة، لكنها أصبحت جزءًا من مجال بصري أوسع يضم التصوير والفيديو والفن الرقمي والتركيب والفن المفاهيمي وفنون الوسائط الجديدة وغيرها
وهذا لا يعني أن الفنون التشكيلية هي فن المهارة فقط، ولا يعني أن الفنون البصرية هي فن الفكرة فقط. هذه صياغة مبسطة أكثر من اللازم. الأدق أن نقول إن الفنون التشكيلية تركز بدرجة كبيرة على مهارة التشكيل والسيطرة على المادة، بينما توسع الفنون البصرية السؤال نحو الفكرة والتجربة والرؤية والسياق والوسيط
وقد ارتبط هذا التحول بتاريخ طويل من التجارب الفنية التي بدأت تشكك في الحدود التقليدية للعمل الفني. ومع الفن المفاهيمي أصبح من الممكن أن تكون الفكرة نفسها محور العمل، وأن يصبح الشيء المادي وسيلة لإيصال الفكرة لا غاية مستقلة عنها
كان مارسيل دوشامب من أهم الشخصيات التي ساهمت في تغيير هذا التفكير عندما قدم أعمالًا جعلت الاختيار والسياق والسؤال حول معنى الفن جزءًا أساسيًا من العمل. ثم جاءت تجارب فنانين مثل جوزيف كوسوث وسول لويت وجون بالديساري لتوسع مساحة الفكرة والنص والتعليمات والمفهوم داخل العمل الفني

الفن المفاهيمي لم يقل إن المهارة غير مهمة، لكنه طرح سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما تكون الفكرة هي الجزء الأكثر أهمية في العمل؟
هذا السؤال أدى إلى توسع كبير في مفهوم الفنان. لم يعد الفنان بالضرورة شخصًا يعمل بيديه فقط، بل أصبح أيضًا باحثًا ومفكرًا ومصممًا للتجربة ومختارًا للصور والمواد والمعلومات والوسائط. وقد يكون عمله أحيانًا في اختيار شيء موجود، أو إعادة تركيبه، أو تصويره، أو تسجيله، أو وضعه في سياق جديد
ولهذا أصبحت الصورة في الفنون البصرية أكثر من مجرد نتيجة تقنية. وأصبح الفيديو أكثر من تسجيل للحركة، وأصبح التركيب أكثر من مجموعة من الأشياء داخل مساحة، وأصبح العمل الرقمي أكثر من صورة مصنوعة بواسطة الحاسوب. القيمة أصبحت مرتبطة أيضًا بما يقوله العمل، وبالطريقة التي يضع بها المتلقي أمام فكرة أو سؤال أو تجربة

وقد انعكس هذا التحول على التعليم الفني أيضًا. فتعليم الطالب الرسم والتلوين والتشكيل يظل أساسيًا، لأن الأدوات والمهارات تمنح الطالب القدرة على التنفيذ. لكن التعليم الفني المعاصر يحتاج إلى أن يتجاوز سؤال: كيف ترسم؟ إلى سؤال: ماذا تريد أن تقول؟ ولماذا اخترت هذا اللون؟ ولماذا اخترت هذه الصورة؟ وما العلاقة بين الشكل والفكرة؟
يمكن تبسيط هذا التحول للطلاب بعبارة واضحة: تعلم كيف تصنع، ثم تعلم لماذا تصنع
وهنا تظهر أهمية الفرق بين المهارة والغاية. المهارة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة تساعد الفنان على تحويل الفكرة إلى تجربة يمكن رؤيتها أو سماعها أو عيشها
وفي عالم اليوم أصبحت الحدود بين الوسائط أقل وضوحًا. الفنان قد يبدأ بالرسم ثم يستخدم التصوير، وقد يصنع عملًا يجمع بين الصورة والفيديو والصوت والنص، وقد يستخدم تقنيات رقمية أو أدوات ذكاء اصطناعي، وقد يحول المكان نفسه إلى جزء من العمل
وهذا ما يجعل مصطلح الفنون البصرية أوسع من مصطلح الفنون التشكيلية في كثير من السياقات المعاصرة. فالفن البصري لا يرتبط فقط بمادة معينة، بل يرتبط بما يمكن أن تقدمه الممارسة الفنية من تجربة بصرية وفكرية وحسية
وقد ساهمت المؤسسات الثقافية والتعليمية الدولية في انتشار مفهوم الفنون البصرية بوصفه مجالًا واسعًا يضم مجموعة كبيرة من الممارسات الفنية. كما أن النقاش حول تعريف الفنون البصرية لم يتوقف، لأن الفن نفسه يتغير باستمرار، وتظهر وسائط وأساليب جديدة مع كل تحول تقني وثقافي
ومع ظهور التصوير الفوتوغرافي تغيرت علاقة الفنان بالصورة. ومع الفيديو تغيرت علاقة الفن بالزمن والحركة. ومع الفن الرقمي أصبحت الشاشة مساحة فنية. ومع الإنترنت أصبحت الأعمال الفنية قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي. ومع الذكاء الاصطناعي ظهر سؤال جديد حول دور الفنان عندما أصبحت بعض عمليات إنتاج الصورة قابلة للتوليد بواسطة الخوارزميات

يُعد هذا العمل مفاهيميًا لأن الفكرة والمعنى والرمز تتجاوز الجانب الجمالي للشكل، فهو يطرح أسئلة حول الدين والسلطة والسلام وكيف يمكن للرموز أن تحمل معاني متناقضة. وهو بصري في الوقت نفسه لأنه يعتمد على تكوين مادي واضح يجمع القبة والهلال والحمامة والحبل في مشهد واحد، بحيث تصبح الصورة والمشهد جزءًا أساسيًا من إيصال الفكرة
وهنا نصل إلى تحول مهم جدًا: كلما أصبحت الأدوات أكثر قدرة على التنفيذ، زادت أهمية قدرة الفنان على التفكير والاختيار والتوجيه والنقد
في الماضي كان الفنان يحتاج إلى وقت طويل لإتقان بعض المهارات التي تمكنه من تنفيذ الصورة. أما اليوم فقد يستطيع بعض الأدوات الرقمية تنفيذ جزء من العمل خلال وقت قصير. وهذا لا يعني أن الفنان لم يعد بحاجة إلى المهارة، بل يعني أن نوع المهارة المطلوبة بدأ يتغير
أصبحت هناك مهارة في صياغة الفكرة، ومهارة في اختيار المرجع، ومهارة في بناء التكوين، ومهارة في توجيه الأداة، ومهارة في تقييم النتائج، ومهارة في معرفة ما يجب قبوله وما يجب رفضه
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي مثالًا واضحًا على الانتقال من مهارة اليد إلى قوة الفكرة. فالأداة قد تساعد في إنتاج صورة، لكنها لا تحدد وحدها لماذا يجب إنتاجها، ولا ما الذي يجعلها مهمة، ولا ما السياق الذي يجب أن توضع فيه، ولا ما الرسالة التي تحملها
الفنان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي دون فكرة واضحة قد ينتج صورًا جميلة، لكنه قد لا ينتج عملًا فنيًا يحمل موقفًا أو رؤية. أما الفنان الذي يمتلك فكرة واضحة فيمكنه أن يستخدم التقنية كوسيلة جديدة لتحقيق ما يريد
وهذا يعيدنا إلى جوهر التحول في الفنون البصرية: لم ننتقل من المهارة إلى الفكرة، بل انتقلنا من المهارة بوصفها غاية إلى المهارة بوصفها وسيلة للفكرة
وهذا التحول لا يعني أن اليد أصبحت أقل قيمة، بل يعني أن اليد أصبحت تعمل إلى جانب العقل والعين والبحث والتقنية والسياق. الفنان المعاصر لا يحتاج فقط إلى أن يعرف كيف يصنع، بل يحتاج أيضًا إلى أن يعرف ماذا يصنع ولماذا يصنعه وكيف يضعه أمام المتلقي
لهذا فإن مستقبل الفنون البصرية لن يكون قائمًا على إلغاء الفنون التشكيلية، بل على توسيعها وفتح مسارات جديدة أمام الفنان. الرسم سيبقى، والنحت سيبقى، والتصوير سيبقى، لكن كل هذه الممارسات يمكن أن تدخل في تجارب أوسع تجمع بين الوسائط والتقنيات والأفكار
وفي النهاية يمكن القول إن التحول من الفنون التشكيلية إلى الفنون البصرية هو تحول من سؤال الأداة وحدها إلى سؤال التجربة الكاملة. لم يعد العمل الفني مجرد شيء يصنعه الفنان، بل أصبح موقفًا ورؤية وتجربة وسؤالًا يمكن أن يشارك المتلقي في اكتشافه
ولهذا فإن أهم ما يحتاجه الفنان اليوم ليس أن يتخلى عن مهارته، بل أن يعرف كيف يستخدم مهارته لخدمة فكرته، وكيف يجعل الفكرة قادرة على تجاوز حدود الأداة
من مهارة اليد إلى قوة الفكرة ليست نهاية للمهارة، بل بداية لدورها الحقيقي
ومن التحولات التي تستحق التوقف عندها أيضًا ظهور NFT في عالم الفن الرقمي. وNFT هو اختصار لمصطلح Non-Fungible Token، أي رمز غير قابل للاستبدال، وهو سجل رقمي مرتبط بتقنية البلوك تشين يمكن استخدامه لإثبات ملكية أصل رقمي أو ارتباطه برمز محدد. وفي مجال الفنون أصبح NFT وسيلة جديدة لعرض الأعمال الرقمية وتوثيق ملكيتها وتداولها
ومن المهم هنا أن نميز بين NFT والفن نفسه. فـNFT ليس مدرسة فنية مستقلة، وليس وسيطًا فنيًا بالمعنى التقليدي، بل هو تقنية ووسيلة لتوثيق الملكية والأصل الرقمي. أما العمل الذي يمثله فقد يكون فنًا رقميًا أو فنًا توليديًا أو صورة أو فيديو أو موسيقى أو عملًا تفاعليًا
ولهذا يمكن تصنيف فنون NFT ضمن الفنون الرقمية عندما يكون العمل نفسه رقميًا، وقد ترتبط بالفن التوليدي عندما تنتج الأعمال بواسطة أنظمة أو خوارزميات، بينما تبقى قيمة العمل الفنية مرتبطة بفكرته وممارسته وسياقه، وليس بمجرد كونه NFT. ومن الأمثلة المعروفة CryptoPunks، وهي مجموعة من الشخصيات الرقمية الفريدة التي ارتبطت ملكيتها بالبلوك تشين وأصبحت من الأمثلة المبكرة والمؤثرة في حركة CryptoArt

وإذا كان العمل الفني قد انتقل من اللوحة إلى الصورة والفيديو والتركيب والوسائط الرقمية، فإن NFT يمثل مرحلة أخرى في هذا التحول، حيث لم تعد القضية مرتبطة فقط بكيفية إنتاج الصورة، بل أيضًا بكيفية إثبات أصلها وملكيتها وتداولها في البيئة الرقمية
ومن الأعمال التي توضح كيف يمكن للخردوات والأشياء المهملة أن تتحول إلى صورة لا تظهر إلا من زاوية محددة أعمال الفنان الفرنسي Bernard Pras، الذي يبني تكويناته من أشياء متفرقة ثم يجعلها تتجمع بصريًا من نقطة نظر معينة

