قهوة سعودية وبن خولاني سعودي في عرض تراثي

القهوة السعودية

القهوة السعودية والبن الخولاني السعودي

القهوة السعودية ليست مجرد مشروب يقدم في المجلس، بل عادة يومية وذاكرة اجتماعية ارتبطت بالترحيب والكرم وحسن الوفادة. تبدأ الحكاية من حبة البن، وتمتد إلى طريقة تحميصها وطحنها وإعدادها، ثم إلى الفنجان الذي يقدم للضيف في طقس يحمل معاني الاحترام والتقدير

شجرة البن نفسها ليست من النباتات التي نشأت في الجزيرة العربية؛ ترتبط أصول البن العربي تاريخيًا بالمرتفعات الأفريقية، وانتقلت زراعته إلى اليمن، ومنها ترسخت تجارة القهوة وثقافتها في الجزيرة العربية. أما في السعودية فقد أصبحت زراعة البن جزءًا متوارثًا من حياة سكان المرتفعات الجنوبية، وتذكر المصادر السعودية أن زراعة البن في جنوب المملكة عُرفت منذ نحو ثلاثة قرون على الأقل، بينما تشير روايات تراثية أخرى إلى جذور أقدم للبن الخولاني في جنوب الجزيرة العربية تمتد لقرون طويلة

وفي السعودية ارتبطت بداية زراعة البن بصورة خاصة بالمرتفعات الجبلية في جازان، ثم امتدت تقاليد زراعته إلى مناطق جنوبية أخرى. وتبرز محافظة الداير بني مالك وفيفاء والعارضة والعيدابي وهروب والريث ضمن نطاق زراعة البن في جازان، كما عرفت عسير والباحة زراعته منذ أجيال

ومن أنواع البن المميزة في منطقة الباحة البُن الشدوي، الذي يُزرع في جبلي شدا الأعلى والأسفل بين محافظتي قلوة والمخواة. وقد ارتبط هذا البن بتراث المنطقة الزراعي منذ مئات السنين، ويُعرف بجودته ومذاقه المميز، حتى أصبح من الأصناف المحلية النادرة التي تمثل جانبًا مهمًا من موروث القهوة السعودية في الباحة

تتميز جبال جازان بمدرجاتها الزراعية وارتفاعاتها ومناخها الملائم، ولذلك أصبحت المنطقة أبرز مواطن البن السعودي، ولا سيما البن الخولاني. وفي السنوات الأخيرة اتسعت زراعة البن لتشمل كذلك أجزاء من عسير والباحة ومكة المكرمة ونجران، وأصبحت زراعة البن محصولًا زراعيًا له قيمة اقتصادية إلى جانب قيمته التراثية

حبوب البن المقطوفة حديثًا من شجرة البن

وتختلف القهوة السعودية في مذاقها ولونها وإضافاتها من منطقة إلى أخرى. ففي المنطقة الوسطى تميل الحمصة إلى اللون الذهبي الفاتح، ويبرز الهيل، وقد تضاف الزعفران أو القرنفل بحسب الوصفة. وفي الجنوب تميل الحمصة إلى الفاتح وتظهر إضافات مثل الزنجبيل والقرفة والقرنفل والزعفران والنانخة. أما المنطقة الشرقية فتشتهر بحمصة معتدلة مع الهيل والزعفران، بينما تميل القهوة في المنطقة الغربية إلى الحمصة المتوسطة مع إضافات مثل الزنجبيل والزعفران والمستكة

ولا تقتصر الاختلافات على الوصفة، بل تظهر أيضًا في أدوات التحضير. ففي جازان مثلًا ترتبط القهوة التقليدية بالجبنة، وهي دلة فخارية محلية تستخدم لإعداد القهوة على الجمر، وتوجد إلى جانبها أدوات مثل المحماس والنجر والفناجين الطينية. وتكشف هذه الأدوات عن علاقة القهوة بالبيئة المحلية وكيف تحولت المواد المتاحة إلى أدوات يومية أصبحت لاحقًا جزءًا من الهوية التراثية للمنطقة

ومن أكثر العادات وضوحًا في المجالس السعودية أن تقديم القهوة مسؤولية لها آدابها. يمسك مقدم القهوة الدلة باليد اليسرى والفناجين باليد اليمنى، ويقدم الفنجان للضيف باليد اليمنى. ويظل الساقي واقفًا أثناء التقديم، وتختلف أولوية تقديم الفنجان بحسب المكان والمجلس، لكن كبار السن وأصحاب المكانة والضيوف في صدر المجلس يحظون عادة بالأولوية. وعندما يكتفي الضيف من القهوة يهز الفنجان للدلالة على الاكتفاء

وفي كثير من المجالس يرتبط عدد فناجيل القهوة بمعنى الضيافة، ويعد تكرار التقديم والإلحاح على الضيف من صور الكرم. والفنجان لا يملأ عادة إلى حافته، بل يقدم بكمية صغيرة تسمح للضيف بتذوق القهوة وتكرارها أكثر من مرة. ولهذا أصبحت حركة الفنجان والدلة واليد جزءًا من لغة اجتماعية يفهمها أهل المجلس دون حاجة إلى شرح

وتأخذ قهوة القشر مكانة خاصة في بعض مناطق الجنوب، وهي مشروب يُحضّر من قشور ثمرة البن بعد فصلها عن الحبة وتنظيفها وتجفيفها وتحميصها. وتنتشر هذه العادة خصوصًا في جازان وعسير والباحة، وتختلف الوصفة من مكان إلى آخر بحسب الإضافات وطريقة التحضير

وفي جازان تبدو قهوة القشر جزءًا واضحًا من الموروث المحلي. وتفضلها عائلات كثيرة، كما ارتبطت بطريقة إعداد مختلفة عن قهوة البن، وتستخدم فيها أحيانًا القرفة والزنجبيل وبعض التوابل. وتوجد أيضًا وصفات محلية تجمع القشر مع جزء من حبة البن أو مع إضافات أخرى، ومن بينها ما يعرف في بعض البيئات الجبلية بالمردومة

أما في عسير والباحة فتوجد كذلك عادات مرتبطة بشرب القشر، مع اختلاف الوصفة من قرية إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى. وهذا التنوع مهم؛ لأن قهوة القشر لا تمثل وصفة واحدة ثابتة بقدر ما تمثل عادة جنوبية واسعة لها صور محلية متعددة

وفي الحياة اليومية الحديثة تغيرت بعض تفاصيل إعداد القهوة، فلم يعد تحميص البن وطحنه أمام الضيف أمرًا لازمًا كما كان في الماضي، وأصبح كثير من الناس يحضرون القهوة في المطبخ ثم يقدمونها في المجلس. ومع ذلك بقيت الدلة والفنجان وطريقة التقديم باليمين وهز الفنجان عند الاكتفاء من أبرز العلامات التي حافظت على استمرارية العادة

القهوة السعودية بهذا المعنى تجمع بين الزراعة والطعام والضيافة والذاكرة الاجتماعية. تبدأ من جبال الجنوب ومزارع البن، وتنتقل عبر مراحل طويلة من العناية والحصاد والتجفيف والتحميص، ثم تصل إلى المجلس لتأخذ معناها الأكبر في علاقتها بالضيف وبالمكان وبالعائلة

Coffee Shop in Madina Road 1968 للفنانة صفية بن زقر

صفية بن زقر — Coffee Shop in Madina Road، 1968

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *