في منطقة القصيم، وفي موقع أثري يعرف باسم الدليمية، كشفت أعمال المسح الأثري عن نقشين مكتوبين بالخط الداداني، في اكتشاف أعلنت عنه هيئة التراث في أبريل 2023 بوصفه أول توثيق لنقوش دادانية في المنطقة. وجاء الكشف ضمن أعمال المسح الأثري التي كانت تنفذها الهيئة في القصيم لتوثيق الشواهد والمعالم الأثرية وتسجيلها في سجل الآثار الوطني
النقشان عبارة عن نقشين تذكاريين على واجهتي صخرتين في موقع الدليمية. ووفق ما أعلنته هيئة التراث، كُتب أحدهما بالخط الداداني المبكر، بينما كُتب الآخر بالداداني المتأخر، وهو ما يجعل الموقع شاهدًا على وجود هذا النوع من الكتابات في وسط الجزيرة العربية إلى جانب ما عُرف به الخط الداداني في موطنه الأساسي في شمال غرب الجزيرة العربية
والخط الداداني هو نظام كتابة قديم ارتبط بمملكة دادان في شمال غرب الجزيرة العربية، في المنطقة التي تقع فيها العلا حاليًا. وتُظهر الدراسات الخاصة بالنقوش الدادانية أن هذا الخط استُخدم في نصوص متنوعة، من بينها نقوش تذكارية ونقوش قصيرة وأسماء وأعمال مرتبطة بالمجتمع والمعتقدات والممارسات في تلك الفترة. ولذلك فإن وجود نقشين دادانيين في القصيم يضيف شاهدًا جديدًا إلى انتشار الكتابة الدادانية خارج نطاق موطنها المعروف
ويكتسب موقع الدليمية أهمية إضافية بسبب تنوع الشواهد الموجودة فيه. فالواجهات الصخرية الجنوبية الشرقية للموقع تضم رسومًا صخرية لأشكال من الجمال والنعام والوعول، وتذكر هيئة التراث أن هذه الرسوم تعود مبدئيًا إلى العصر الحديدي، كما توجد في الموقع رسوم أحدث لعربات وأشكال للدلة العربية، إلى جانب كتابات عربية قديمة من بينها نقوش ثمودية تذكارية. وبذلك لا يمثل النقشان الدادانيان أثرين منفصلين عن الموقع، وإنما يأتيان ضمن طبقات متعددة من الشواهد التي تركها الإنسان على الصخور في المكان
وتشير المعلومات التي أعلنتها هيئة التراث إلى أن النقشين يساعدان في قراءة منطقة وسط الجزيرة العربية باعتبارها جزءًا من طرق الحركة والتجارة القديمة. فقد ربطت الهيئة بين وجودهما وبين الطريق الذي يصل مملكتي دادان ولحيان في شمال غرب الجزيرة العربية بمملكة كندة في منطقة الفاو بوسط الجزيرة العربية، مرورًا بوسط الجزيرة العربية. ولا يعني ذلك أن النصين نفسهما يقدمان وصفًا كاملًا لهذا الطريق، وإنما أن موقعهما ضمن المشهد الأثري يدعم فهم المنطقة بوصفها جزءًا من شبكة اتصال بين مراكز وممالك عربية قديمة
وتأتي أهمية هذا الاكتشاف أيضًا من طبيعة موقع القصيم الجغرافية. فالمنطقة تقع في وسط الجزيرة العربية، وكانت مسارات الحركة بين شمال الجزيرة ووسطها وجنوبها تمر عبر نطاقات واسعة من هذه المنطقة. ومن ثم فإن العثور على كتابة مرتبطة بدادان في موقع بالقصيم يضيف دليلًا أثريًا إلى العلاقات والاتصالات التي كانت تتجاوز حدود المراكز السياسية المحلية في الجزيرة العربية القديمة
ولفظة الداداني هنا لا تشير إلى أن الموقع كان مدينة دادان أو مستوطنة تابعة لها بالضرورة. فالمعطى المتاح هو وجود نقشين بالخط الداداني في موقع الدليمية. أما تفسير كيفية وصول هذا الخط إلى القصيم، ومن كتب النصين، وما الظروف التي أحاطت بوجودهما في المكان، فيحتاج إلى دراسة نصية وأثرية متخصصة تتناول شكل الحروف ومحتوى النقوش وسياقها داخل الموقع ومقارنتها بالنقوش المعروفة في العلا وغيرها
كما أن وجود خط داداني مبكر وآخر متأخر في الموقع مهم من الناحية الكتابية، لأنه يبين أن الكشف لا يقتصر على مثال واحد من شكل الكتابة الدادانية. ومع ذلك، لا تتوفر في المعلومات المنشورة للعامة ترجمة كاملة للنصين أو قراءة تفصيلية لكل كلمة فيهما، ولذلك من الأفضل التعامل معهما بوصفهما نقشين تذكاريين موثقين، دون إضافة معانٍ غير منشورة إلى نصيهما
وبالتزامن مع اكتشاف النقشين، أعلنت هيئة التراث عن رصد موقع أثري جديد حمل اسم الدليمية 3. وهو جبل رملي صغير الحجم، عُثر في أحد صخوره من الجهة الجنوبية الشرقية على نقش ثمودي قصير. كما رصدت الهيئة بصورة أولية 33 موقعًا للمنشآت الحجرية في المنطقة، على أن يجري توثيقها لاحقًا. وهذه النتائج تعطي صورة عن اتساع نطاق العمل الأثري في القصيم في الفترة التي جاء فيها اكتشاف النقوش الدادانية
ولم يبق خبر النقشين محصورًا في الإعلان المحلي. فقد أعادت صحف سعودية مثل الرياض واليوم وعكاظ نشر تفاصيل الاكتشاف، كما تناولته وسائل إعلام عربية خارج المملكة، من بينها جريدة الجريدة الكويتية، ووكالة ومواقع إخبارية عربية أخرى. كما ظهر الخبر في وسائل إعلام باللغة الإنجليزية والتركية، وهو ما نقل الاكتشاف إلى جمهور أوسع خارج السعودية. وتكاد التغطيات المنشورة تتفق في عرض العناصر الأساسية نفسها: نقش تذكاري مبكر، وآخر متأخر، وموقع الدليمية، والعلاقة المحتملة بشبكات الطرق والتجارة القديمة في وسط الجزيرة العربية
أما الدليمية نفسها، فتقدم مثالًا على المواقع التي تتجاور فيها شواهد مختلفة من فترات متعددة. فالرسوم الصخرية والكتابات القديمة والمنشآت الحجرية والنقوش الدادانية تجعل قراءة الموقع مرتبطة بتاريخ طويل من استخدام المكان، وليس بحدث أثري واحد. وهذا النوع من المواقع يحتاج إلى توثيق متدرج يربط بين النقش وموقعه على الصخر، وبين الرسوم والكتابات الأخرى، وبين طبيعة المكان ومسارات الحركة القديمة في المنطقة
ويبقى نقشا الدليمية من أبرز الشواهد التي كشفت عنها أعمال المسح الأثري في القصيم خلال عام 2023، ليس بسبب شكل الكتابة فقط، وإنما لأن وجودهما في وسط الجزيرة العربية يضيف موقعًا جديدًا إلى خريطة النقوش الدادانية المعروفة. ومع استمرار المسح والتوثيق الأثري في المنطقة، يمكن أن تظهر شواهد أخرى تساعد على فهم تاريخ الدليمية وعلاقتها بالمواقع والطرق والمجتمعات التي مرت في هذه المنطقة عبر العصور
سعوديبيديا – النقوش الدادانية في منطقة القصيم
وكالة الأنباء السعودية
اليوم – اكتشاف أول النقوش الدادانية في القصيم
الجريدة الكويتية – نقوش دادانية في منطقة القصيم
Arabian Archaeology and Epigraphy – دراسة عن النقوش الدادانية
مقال مالك السليمي – مقال عن النقوش الدادانية



