العقال في السعودية
العقال في السعودية ليس مجرد حلقة توضع فوق الشماغ أو الغترة لتثبيتهما، بل قطعة ارتبطت بالزي السعودي وبصورة الرجل في المجتمع، وتطورت أشكالها وطرق صناعتها ولبسها عبر الزمن حتى أصبحت جزءًا واضحًا من الهوية الثقافية والاجتماعية في المملكة. وتصف سعوديبيديا العقال بأنه أحد العناصر المميزة ثقافيًا في الزي الوطني السعودي، وتشير إلى أن شكله وخاماته تطورت على مدى قرون
والعقال الذي يعرفه السعوديون اليوم غالبًا باللون الأسود يصنع من حشوة داخلية تغلف بخيوط سوداء، وتتنوع خاماته بين الصوف الطبيعي والقطن والحرير والنايلون وغيرها. وتوضح المصادر السعودية أن الصناعة اليدوية تمر بمراحل دقيقة تبدأ بالحشوة ولف الخيط ثم وصل طرفي العقال وحياكته وضبط استدارته ومقاسه، وهي معرفة حرفية ما زالت حاضرة في عدد من مناطق المملكة
ومن المناطق التي ارتبط اسمها بصناعة العقال الأحساء، حيث ما تزال الحرفة اليدوية حاضرة ضمن الموروث المحلي. وقد وثقت وكالة الأنباء السعودية العقال الحساوي، وذكرت أن صناعته تطورت من أشكال قديمة إلى أنواع متعددة، وصولًا إلى العقال الأسود المعروف في الزي السعودي المعاصر. وتبقى الصناعة اليدوية في الأحساء شاهدًا على انتقال المعرفة من جيل إلى جيل
وفي الطائف عرفت صناعة العقال المقصب منذ عقود طويلة، واشتهرت المحافظة بحياكة العقل وصناعة الأنواع المجودة. كما ارتبط العقال المقصب بالحجاز، ولا سيما مكة المكرمة، وعرف نوع منه باسم العقال المربع أو عقال فيصل، نسبة إلى اشتهار الملك فيصل بن عبدالعزيز بلبسه. ويختلف هذا النوع في شكله وتركيبه عن العقال الأسود الدارج اليوم
ولا تقف خصوصية العقال في السعودية عند الصناعة، بل تظهر أيضًا في طريقة ارتدائه. فقد أشارت سعوديبيديا إلى أن طريقة وضع العقال واتجاه ميله ارتبطا بتقاليد بعض مناطق المملكة، وهو ما يعني أن العقال لم يكن دائمًا قطعة جامدة لها هيئة واحدة في جميع أنحاء البلاد
ومن أشهر ما سجلته المصادر الصحفية السعودية أن ميل العقال إلى إحدى جهتي الرأس ارتبط في روايات محلية ببعض قبائل ومناطق شمال السعودية، وبرز ذلك في العبارة الشعبية «حايل والعقال مايل». وتذكر روايات أخرى أسماء شمر وعنزة والشرارات ضمن القبائل التي اشتهرت عند بعض أبنائها بإمالة العقال، مع اختلاف الروايات في تحديد جهة الميل لكل قبيلة، ولذلك لا يمكن اعتماد اتجاه واحد بوصفه علامة ثابتة لكل قبيلة. وفي بعض التفسيرات الشعبية ارتبطت الإمالة بالفروسية والاعتزاز والرجولة والطناخة، بينما يربطها آخرون بعادات محلية موروثة. والأدق أن تُفهم هذه الدلالة بوصفها عادة اجتماعية تختلف من بيئة إلى أخرى، لا قاعدة عامة على جميع القبائل السعودية. ولم أجد في المصادر التي اعتمد عليها المقال توثيقًا كافيًا لنسبة طريقة محددة لقبيلة عتيبة، لذلك لا أنسب إليها عادة بعينها دون دليل
وتبرز قبيلة شمر بوصفها من أشهر القبائل التي ارتبط اسمها بعادة إمالة العقال، ولا تزال هذه الهيئة تُرى عند بعض أبناء القبيلة، ولا سيما في حائل وشمال المملكة. وتروي مصادر محلية أن إمالة العقال أصبحت مع مرور الزمن علامة موروثة مرتبطة بالاعتزاز والفروسية والرجولة، إلا أن الروايات تختلف في تفسير أصلها وفي تحديد جهة الميل؛ فبعض الروايات ينسبها إلى الميل نحو اليمين، بينما تشير روايات أخرى إلى اتجاه مختلف. لذلك يورد المقال هذه العادة بوصفها موروثًا اجتماعيًا اشتهرت به شمر، دون الجزم بسبب تاريخي واحد أو اعتبار اتجاه الميل قاعدة ملزمة لجميع أبناء القبيلة
وكان للعقال في بعض العادات الاجتماعية السعودية معنى يتجاوز اللباس. فقد نقلت جريدة الرياض عن موروث اجتماعي قديم أن الرجل كان قد يخلع عقاله عندما يتقدم بطلب خاص، ولا يعيده إلى رأسه إلا بعد إجابة طلبه. ومن المهم هنا عدم تحويل هذه الرواية إلى قاعدة مطلقة أو مساواتها تلقائيًا بطلب الشفاعة؛ فالمصدر يتحدث عن «طلب خاص»، ويمكن أن يدخل فيه الرجاء وطلب المعونة أو قضاء الحاجة بحسب السياق
ومن العادات التي وثقتها المصادر أيضًا أن الرجل قد يرمي عقاله في المجلس عندما يشعر أن كرامته قد جُرحت أو عندما يكون له مطلب يريد تحقيقه، ولا يعيده إلى رأسه حتى يعود إليه اعتباره أو يُلبى طلبه. وفي هذا الاستخدام يصبح العقال علامة اجتماعية على جدية الموقف، لأن خلع قطعة مرتبطة بالهيبة والمظهر لم يكن تصرفًا عابرًا في بعض البيئات
وفي مقابل ذلك، ارتبط رفع العقال أو وضعه إلى أعلى الرأس، وكذلك خلع العقال أو إرجاعه إلى مؤخرة الرأس، في روايات اجتماعية سعودية بمظاهر العزاء والحزن على وفاة شخص عزيز أو مهم. وهذه الدلالة موثقة في الروايات الصحفية عن العادات القديمة، لكنها ليست بالضرورة ممارسة يومية موحدة في كل مناطق المملكة اليوم
كما ارتبط العقال في الموروث الاجتماعي بمعاني الرجولة والشهامة والنخوة والمكانة. وتؤكد وكالة الأنباء السعودية أن العقال يمثل لدى السعوديين رمزًا للرجولة والنخوة، وأن بعض استخداماته الاجتماعية ارتبطت بالفزعة والنخوة. وفي هذا السياق كان العقال جزءًا من صورة الرجل ومكانته أكثر من كونه وسيلة عملية لتثبيت غطاء الرأس فقط
وتظهر الفروق المناطقية كذلك في أنواع العقال. فالعقال المقصب أو المربع ارتبط بالحجاز ومكة بصورة خاصة، بينما ارتبطت صناعة العقل التقليدية بمناطق أخرى مثل الطائف والأحساء، كما بقي العقال الأسود حاضرًا في مختلف مناطق المملكة بوصفه الشكل الأكثر استخدامًا في العصر الحديث
وفي الزي التقليدي للمنطقة الوسطى يظهر العقال مع الغترة والثوب والدقلة والبشت في المناسبات الكبيرة، وفي المنطقة الشمالية يرتبط بالعقال والشماغ والدقلة، وفي المنطقة الشرقية يظهر مع الثوب والغترة والبشت، بينما يظهر في المنطقة الغربية مع الشماغ والثوب والسديري. أما المناطق الجنوبية فلها أنماطها التقليدية الخاصة في غطاء الرأس والملابس، ولذلك لا يصح افتراض أن طريقة العقال في وسط المملكة تنطبق عليها جميعًا
ومن المهم عند الحديث عن العقال السعودي أن نميز بين ما هو سعودي في تفاصيله المحلية وبين ما هو أوسع انتشارًا. فالعقال معروف في أجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، وتوجد له أنواع وعادات مرتبطة بالمجتمعات الخليجية والعربية المختلفة. لذلك يركز هذا المقال على ما وثقته المصادر عن السعودية ومناطقها، ولا ينسب إلى الموروث السعودي عادة لمجرد أنها موجودة في بلد عربي آخر
كما أن بعض التسميات المتداولة في الأسواق اليوم، مثل أسماء بعض الأنواع التجارية، لا تعني بالضرورة أن أصل العقال أو طريقة لبسه تنتمي إلى المنطقة التي يحمل النوع اسمها. فقد تطورت تجارة العقال وأدخلت عليها تسميات متعددة، بينما بقيت بعض الأنواع مرتبطة بتاريخ اجتماعي ومناطقي واضح داخل المملكة
ويكشف العقال في السعودية عن جانب مهم من الموروث الاجتماعي: فالقطعة الواحدة قد تؤدي وظيفة عملية، ثم تصبح علامة على الهيئة والمكانة، ثم تدخل في عادات التعبير عن الكرامة والحزن والرجاء والنخوة. ولهذا لا يمكن فهم العقال من شكله فقط، بل من الطريقة التي وضع بها، والمناسبة التي ظهر فيها، والمكان الذي ينتمي إليه صاحبه، والسياق الاجتماعي الذي استعمل فيه
ومع استمرار ارتداء العقال في المناسبات والأعياد والمجالس الرسمية والاجتماعية، بقيت أنواعه القديمة وحرف صناعته حاضرة في الذاكرة السعودية. وفي الأحساء والطائف وجازان وغيرها ما تزال صناعة العقال أو الحديث عنها جزءًا من توثيق الحرف والموروث المحلي، بينما حافظ العقال الأسود على موقعه بوصفه الشكل الأكثر حضورًا في الزي السعودي المعاصر
العقال في السعودية إذن قطعة صغيرة في شكلها، لكنها تحمل طبقات متعددة من الذاكرة الاجتماعية: صناعة وحرفة، وزي وهوية، وفروقًا بين المناطق، وإشارات مرتبطة بالمكانة والرجولة والنخوة، وعادات اجتماعية كان لبعضها حضور في طلب الحاجة أو التعبير عن الحزن أو حفظ الكرامة. وبين العقال الأسود المعاصر والعقال المقصب القديم تتصل صورة ممتدة من الموروث السعودي الذي تغيرت بعض تفاصيله، لكنه لم يفقد حضوره
المصادر والمراجع

