أحجار متوازنة

لعبة الزقطة

لعبة الزقطة

لعبة الزقطة من الألعاب الشعبية القديمة التي عُرفت في منطقة جازان، وورد اسمها ضمن الألعاب التي اشتهرت بها المنطقة في الماضي. وهي لعبة بسيطة في أدواتها، تعتمد على مجموعة من الحصى وعلى مهارة اليد ودقة الحركة وسرعة الالتقاط، ولذلك لم تكن تحتاج إلى مكان خاص أو أدوات مصنعة، بل كان يمكن ممارستها في البيئة اليومية بأشياء متاحة وسهلة العثور عليها.

وتذكر «موسوعة المملكة العربية السعودية» في فصل الألعاب الشعبية بمنطقة جازان أن الزقطة كان يلعبها الفتيان والفتيات، وأنها تستخدم سبع حصيات منتقاة متقاربة في الحجم، ويمارسها عادة لاعبان أو لاعبتان. ويقدم هذا الوصف توثيقًا واضحًا للنسخة الجازانية من اللعبة، وهو مهم لأن اسم الزقطة ظهر أيضًا في مناطق أخرى من الجزيرة العربية ومناطق عربية مختلفة، مع اختلاف عدد الحصيات وبعض مراحل اللعب.

أحجار صغيرة مرتبطة بفكرة لعبة الزقطة
Photo by Ellie Ellien on Unsplash

تبدأ اللعبة الجازانية بما تسميه المصادر لعبة «الخال». يحدد اللاعبان أول من يبدأ عن طريق القرعة، ثم يجمع اللاعب الذي جاء دوره الحصيات السبع في يد واحدة ويرفعها إلى أعلى، قبل أن يقلب يده حتى تستقر بعض الحصيات على ظهرها. بعد ذلك يختار اللاعب الآخر ما يسمى «خاله»، أي حجرًا من الحجارة التي يعتقد أن إبقاءها على ظهر اليد سيكون أصعب على منافسه.

يحاول اللاعب بعد ذلك التخلص من بقية الحصيات التي استقرت على يده مع المحافظة على الحجر المختار. فإذا نجح، يبدأ في التقاط الحصيات الباقية من الأرض واحدة بعد أخرى ووضعها في اليد الأخرى، ثم يحاول التقاط الحجر الذي بقي على ظهر يده. وبهذا تنشأ اللعبة من سلسلة متتابعة من الحركات القصيرة التي تحتاج إلى تركيز وتنسيق بين حركة اليد والعين وتقدير دقيق للحظة المناسبة للالتقاط.

ولا تقوم الزقطة على القوة البدنية أو السرعة وحدهما، بل تعتمد بدرجة كبيرة على التحكم في الحركة والانتباه إلى مواقع الحصيات وتوقيت رفع اليد والتقاط الحجر. فاللاعب لا يملك وقتًا طويلًا للتفكير أثناء صعود الحجر في الهواء، وعليه أن ينجز الحركة المطلوبة قبل أن يعود الحجر إلى يده أو إلى الأرض.

وبحسب وصف موسوعة المملكة، تستمر اللعبة بعد الجولة الأولى مع الحصيات المتبقية، فيكرر اللاعب الطريقة نفسها حتى ينتقل الدور أو يكتمل ما تسمح به قواعد الجولة. وهذا النوع من الألعاب يوضح كيف كانت الألعاب الشعبية القديمة تبني قواعدها من حركة بسيطة يمكن تكرارها، ثم تضيف إليها مراحل تجعل المهارة تتطور تدريجيًا.

حصاة صغيرة في اليد
Photo by Paul Esch-Laurent on Unsplash

وتكشف الزقطة أيضًا عن طبيعة الأدوات التي اعتمدت عليها الألعاب الشعبية في جازان. فالحصى الذي يمكن جمعه من البيئة يتحول إلى أداة للعب، ولا يحتاج اللاعب إلى تجهيزات خاصة أو تكلفة مادية. وقد جعل ذلك من اللعبة نشاطًا سهل الانتقال بين الأطفال والفتيات والفتيان، وسمح بأن تبقى ممارسة شعبية تعتمد على ما توفره البيئة المحيطة.

واللافت أن اسم «الزقطة» لم يكن خاصًا بجازان وحدها. فقد وثقت مصادر عن مناطق أخرى في المملكة اللعبة بالاسم نفسه، ومن ذلك تقرير لوكالة الأنباء السعودية عن الألعاب الشعبية في الحدود الشمالية، حيث وصفت الزقطة بأنها لعبة تستخدم فيها عادة خمس إلى سبع قطع من الحصى، وتوجد لها مراحل في الالتقاط والقذف تختلف في بعض تفاصيلها عن الوصف الجازاني. وهذا يؤكد أن الاسم الواحد قد يدل على ألعاب متقاربة في فكرتها، لكنها ليست بالضرورة متطابقة في قواعدها من منطقة إلى أخرى.

كما يظهر الاسم في مصادر التراث غير المادي في الأردن، حيث توصف الزقطة بأنها لعبة قديمة تقوم على خمس حجارات صغيرة، وترد لها أسماء أخرى بحسب المنطقة، مع مراحل مختلفة في طريقة الالتقاط والقذف. وهذا الانتشار يبين أن ألعاب الحصى اليدوية تنتمي إلى نمط أوسع من الألعاب الشعبية في المنطقة، مع احتفاظ كل مجتمع بتفاصيله المحلية وأسماء مراحله وقواعده.

ولهذا من المهم عند الحديث عن الزقطة الجازانية عدم نقل وصف لعبة من منطقة أخرى على أنه وصف للعبة جازان. فالعدد المذكور في المصدر الخاص بجازان هو سبع حصيات، بينما تذكر مصادر أخرى خمسة أحجار أو نطاقًا بين خمسة وسبعة، كما تختلف طريقة اللعب والمراحل والأسماء الفرعية. والاختلاف هنا لا يلغي صلة هذه الألعاب ببعضها، لكنه يساعد على فهم تنوع الموروث الشعبي وعدم افتراض أن كل لعبة تحمل الاسم نفسه لها طريقة واحدة في جميع المناطق.

وقد ظهرت الزقطة ضمن القوائم الحديثة التي تستعيد أسماء الألعاب الشعبية القديمة في جازان. ففي تغطية لفعاليات شتاء جازان ذُكرت الزقطة ضمن مجموعة من الألعاب التي اشتهرت بها المنطقة قديمًا، إلى جانب الساري والدسيس والزقوة والمزقرة وصياد السمك والقرقر والوثب والمسحر والمراصعة والمداويم. ويأتي حضورها في هذه الفعاليات ضمن محاولات إحياء الألعاب القديمة وتعريف الأجيال الجديدة بما كان يمارس في الحياة اليومية في المنطقة.

وتحمل اللعبة في صورتها البسيطة شيئًا من طبيعة الحياة القديمة نفسها. سبع حصيات، ويدان، ومساحة صغيرة، ولاعبان، وقواعد يتعلمها الشخص بالممارسة والمشاهدة. ومن خلال هذه العناصر القليلة كانت تنشأ منافسة تحتاج إلى الانتباه والمهارة، وتمنح اللاعبين وقتًا من التسلية دون الحاجة إلى أدوات حديثة أو تجهيزات خاصة.

ومع تغير أنماط الحياة وانتشار الألعاب الإلكترونية والأنشطة الحديثة، تراجعت مساحة الألعاب الشعبية القديمة في الحياة اليومية، لكن أسماءها ما زالت حاضرة في الذاكرة وفي برامج المهرجانات والفعاليات التراثية. وتصبح عملية توثيق طريقة اللعب وأدواتها وأسمائها المحلية أكثر أهمية كلما ابتعدت الممارسة عن الحياة اليومية وانتقلت من الذاكرة الشفوية إلى الكتب والمهرجانات والمشروعات الثقافية.

وتبقى الزقطة الجازانية مثالًا واضحًا على لعبة شعبية صغيرة في أدواتها، لكنها غنية في تفاصيلها. فالطريقة التي تختار بها الحصيات، وكيفية تحديد اللاعب الأول، واختيار «الخال»، ومحاولة المحافظة عليه ثم التقاط الحصيات، كلها تفاصيل تشكل نظامًا للعب لا يمكن اختزاله في مجرد رمي الحجارة والتقاطها.

وقد استند هذا المقال في وصف الزقطة الجازانية إلى ما ورد في «موسوعة المملكة العربية السعودية» في فصل الألعاب الشعبية لمنطقة جازان، مع الاستفادة من التغطيات السعودية الحديثة التي أعادت ذكر اللعبة ضمن الألعاب الشعبية الجازانية، ومقارنة ذلك بما وثقته مصادر التراث عن اللعبة في مناطق أخرى. ويظل الوصف الجازاني هو المرجع الأساسي عند الحديث عن الزقطة بوصفها لعبة شعبية من جازان.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *