مبانٍ حجرية تراثية في عسير على سفوح الجبال

عمارة أصدار عسير

عمارة أصدار عسير

تقع أصدار عسير على الجزء الواقع من منطقة عسير على حافة سلسلة جبال السروات، وتمتد بين السفوح والأودية والمناطق المرتفعة. وتتميز بتضاريس شديدة الانحدار وغطاء نباتي كثيف، وتصب في أوديتها روافد مائية تنحدر من المرتفعات، وهو ما جعل العمران فيها يتشكل في علاقة مباشرة مع الجبل والوادي ومصادر المياه.

ويغلب على العمارة التقليدية في الأصدار النمط الحجري، بسبب وفرة الصخور والأخشاب في البيئة المحلية. وتذكر المصادر الرسمية أن البازلت من أهم الأحجار المستخدمة في تشييد المباني، مع استخدام الطين والخشب في أجزاء من البناء. وتظهر هذه العمارة بوضوح في قرى رجال ألمع، حيث أقيمت المساكن متقاربة وعلى امتداد الأودية والسفوح.

فن القط العسيري وزخارفه الهندسية

تأخذ المباني الحجرية في الأصدار هيئة تميل إلى الهرم الناقص، فتكون القاعدة أوسع من الأجزاء العلوية، وتضيق الجدران كلما ارتفع المبنى. ووصل ارتفاع بعض المباني التقليدية إلى عدة طوابق، وتذكر المصادر أن بعض المساكن بلغت ستة أدوار، وهو ارتفاع ارتبط بالحاجة إلى استيعاب أفراد الأسرة في مساكن متجاورة ومتكاملة.

وتتميز الواجهات بفتحات ونوافذ صغيرة، وبعناصر زخرفية من الحجر الأبيض المعروف بالمرو أو الكوارتز. ويوضع المرو حول الأبواب والنوافذ وفي أجزاء من الواجهات على هيئة أشكال هندسية، فيظهر التباين بين بياضه ولون الحجر الداكن. كما تظهر في بعض المباني شرفات مسننة وسترات سطح ذات تفاصيل متدرجة تتوافق مع الشكل العام للمبنى.

ويرتبط الجانب الزخرفي في عمارة أصدار عسير أيضًا بفن القط العسيري، إذ تشير الموجهات التصميمية الرسمية لعمارة أصدار عسير إلى استخدام فن القط العسيري التقليدي في الأنماط والزخارف إلى جانب الأنماط الحجرية. ويُعرف القط العسيري تاريخيًا بزخرفة الجدران الداخلية للمجالس والردهات بأشكال هندسية ونباتية وألوان مستمدة من البيئة المحلية، وأصبح أحد العناصر المرتبطة بصورة العمارة العسيرية وموروثها الثقافي. وتظهر في قرى عسير العلاقة بين البناء الحجري والزخارف التقليدية، بما يربط الهيكل المعماري بالتفاصيل الزخرفية للمسكن.

ولم يكن الحجر وحده مادة البناء، إذ استخدمت جذوع الطلح والعرعر في الأسقف، كما استُخدم الطين المخلوط بالتبن في تغطية الجدران الداخلية، ثم الجص في بعض المواضع. وتظهر في الداخل أرفف خشبية وعناصر تخزين مرتبطة بالاستخدام اليومي للمسكن، بينما كانت طريقة توزيع الغرف والأدوار مرتبطة بالحياة الأسرية وبطبيعة المبنى ووظيفته.

البيوت الحجرية التراثية في رجال ألمع بعسير

وترتبط عمارة الأصدار أيضًا بموضع المبنى داخل المشهد الطبيعي. فقد نشأت تجمعات عمرانية قديمة حول المناطق المستوية القريبة من الأودية، وتداخلت المساكن مع المزارع، بينما ظهرت مبانٍ جبلية على السفوح. لذلك لا يمكن فصل شكل البيت عن البيئة التي أقيم فيها؛ فاختيار الموقع ومواد البناء وارتفاع المبنى وطريقة توزيع فتحاته كلها جاءت في سياق تضاريس المنطقة ومناخها ومواردها المحلية.

وتبرز قرية رُجال التراثية في محافظة رجال ألمع بوصفها من أشهر الأمثلة على هذا النمط. وتشير المصادر إلى أن القرية تضم نحو ستين قصرًا متجاورًا، وأن مبانيها شُيدت من الحجر وتزينت واجهاتها بالحجر الأبيض، وتضم مباني متعددة الطوابق تتدرج مع السفوح وتتماسك في تجمعات متقاربة. كما ارتبط عمران القرية بالتجاور الأسري وبوجود الحصون والممرات والأحياء المتقاربة.

وكان للمباني الحجرية في الأصدار استخدامات تتجاوز السكن. فقد ارتبط بعضها بالتحصين والمراقبة وتخزين المحاصيل، كما تظهر في العمارة التقليدية فتحات صغيرة يمكن أن تؤدي وظائف دفاعية. وهذا يفسر جانبًا من مظهر الأبراج والحصون الذي يميز عددًا من مباني المنطقة، إلى جانب وظيفتها السكنية والمعيشية.

أما المرو فقد ظل من أكثر العناصر وضوحًا في واجهات العمارة العسيرية. وفي يوليو 2026 نشرت وكالة الأنباء السعودية تقريرًا عن زخرفة المباني التقليدية بالمرو، وذكرت أن قطع المرو الأبيض كانت تجمع من المواقع الجبلية ثم تكسر وترص في الواجهات لتكوين مثلثات ومربعات وخطوط رأسية وأفقية حول الأبواب والنوافذ وأعلى المباني. ويكشف استمرار الحديث عن هذه التقنية في المصادر الحديثة عن حضورها المتواصل في توثيق العمارة التقليدية بعسير.

كما أن موضوع عمارة أصدار عسير لم يعد محصورًا في المصادر التي تتناول التراث العمراني بصورة عامة. فقد خصصت منصة العمارة السعودية صفحة مستقلة لهذا الطراز، وأصدرت له موجهات تصميمية وأدلة تطبيقية تتناول المباني منخفضة الارتفاع والفلل السكنية، كما تظهر في موادها الحديثة صور ودراسات تستند إلى العمارة التقليدية في رجال ألمع والمشهد الطبيعي لأصدار عسير. ويعكس ذلك انتقال هذا الطراز من كونه موروثًا عمرانيًا قائمًا إلى مرجع يجري توثيقه ودراسته والاستفادة من خصائصه في التصميم المعاصر.

وتظل عمارة أصدار عسير مرتبطة قبل كل شيء بالمكان الذي نشأت فيه. فالحجر مأخوذ من البيئة، والخشب من الأشجار المحلية، والطين من الموارد المتاحة، والمبنى يتدرج مع السفح ويتعامل مع الوادي والمناخ، بينما تكمل الزخارف البيضاء من المرو تفاصيل الواجهة. ولهذا تبدو العمارة التقليدية في الأصدار نتيجة مباشرة لتفاعل الإنسان مع بيئته عبر أجيال متعاقبة.

وتستمر اليوم أعمال التوثيق والمحافظة على القرى والمباني التراثية في عسير، إلى جانب ظهور هذا الطراز في أدلة وموجهات العمارة السعودية المعاصرة. وبين المبنى التاريخي والمرجع التصميمي الحديث يبقى الأساس واحدًا: فهم طبيعة المكان واستخدام مواده المحلية والمحافظة على السمات التي ميزت عمارة الأصدار.

اعتمد هذا المقال في معلوماته على سعوديبيديا، ومنصة العمارة السعودية، ووكالة الأنباء السعودية، مع الاستفادة من المواد المنشورة حديثًا حول عمارة أصدار عسير والعمارة الحجرية في رجال ألمع وزخارف المرو.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *